الوطن – أسرة التحرير:
في مشهد تختلط فيه رمزية التحول القضائي مع مسار العدالة، يقف قاضٍ واجه حكماً بالإعدام على رأس محاكمة عاطف نجيب، في لحظة لا تبدو مجرد إجراء قانوني، بل اختباراً فعلياً لانتقال سوريا من زمن الإفلات من العقاب إلى زمن المساءلة، فهذه القضية لا تتعلق بشخص واحد بقدر ما تعكس محاولة إعادة تعريف علاقة الدولة بالقانون، وبناء شرعية جديدة تستند إلى العدالة بعد سنوات من الانتهاكات.
فما جرى في قاعة محكمة الجنايات بدمشق يتجاوز لكونه إجراءً قضائياً تقليدياً، ليشكل بداية تطبيق عملي لمسار العدالة الانتقالية، فحسب ما أكده المحامي العام بدمشق، سلكت الدعوى مسارها القانوني الكامل من التحقيق وجمع الأدلة إلى تحريك دعوى الحق العام، وصولاً إلى المحاكمة العلنية، هذا التسلسل لا يحمل قيمة إجرائية فحسب، بل يرسل إشارة واضحة إلى أن ثمة محاولة جدية لإرساء سيادة القانون وفق أصول قضائية مكتملة.

والأهمية الأعمق لهذه المحاكمة تكمن في رمزيتها السياسية والتاريخية، عاطف نجيب، المرتبط اسمه ببدايات الثورة في درعا، يمثل حلقة أولى في سلسلة طويلة من الانتهاكات. ومن هنا، فإن مثوله أمام القضاء يختصر مساراً كاملاً: من لحظة الانتهاك إلى لحظة المساءلة، وهو ما عبر عنه رئيس هيئة العدالة الانتقالية بالقول: إن “أبواب الحقيقة تُفتح وإن العدالة بدأت تتحرك فعلياً”.
لكن لفهم هذه المحاكمة على نحو أدق، لا بد من التمييز بين المحاكمة الجنائية التقليدية ومحاكمة رموز النظام البائد ضمن إطار العدالة الانتقالية، فالمحاكمة الجنائية تركز على فعل جرمي محدد، وتستهدف تحديد المسؤولية الفردية والعقوبة وفق قانون العقوبات، أما محاكمة رموز النظام البائد، فهي جزء من منظومة أوسع، لا تقتصر على إدانة الأفراد، بل تسعى إلى تفكيك منظومات الانتهاك، وكشف أنماط الجرائم، والوصول إلى تسلسل القيادة والمسؤوليات العليا.
بهذا المعنى، العدالة الانتقالية، ليست مجرد قضاء، بل عملية متعددة الأبعاد تشمل المساءلة، وكشف الحقيقة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي، وهي تتطلب بيئة قانونية خاصة، وقد تواجه تحديات عملية، منها التعامل مع متهمين خارج البلاد، وضمان حماية الشهود، وتأمين مشاركة الضحايا، إضافة إلى ضرورة التعاون مع الجهات الدولية لتبادل الأدلة والتوثيق، كل ذلك يجعل من هذه المحاكمة اختباراً حقيقياً لقدرة القضاء السوري على التكيف مع طبيعة الجرائم المعقدة التي لا تشبه الجرائم التقليدية.
في قلب هذه اللحظة يقف القاضي فخر الدين العريان، الذي تعكس مسيرته المهنية تحولات القضاء السوري ذاته، من قاضٍ في مؤسسات إدارية، إلى منشقٍ في بداية الثورة، ليواجه حكماً بالإعدام، وصولاً إلى رئاسة محكمة الجنايات التي تنظر في قضايا رموز النظام البائد، هذه السيرة تمنح المحاكمة بعداً رمزياً إضافياً، خاصة مع كلماته التي أكد فيها للضحايا أن “صوتكم اليوم حاضر أمام القضاء”، في محاولة لإعادة بناء الثقة بين المجتمع ومؤسسة العدالة.








