الحديث عن الصّحافة الثقافية ذو شجون، ولاسيّما الورقية التي اقتصر وجودها، اليوم، على صحف ومجلات لا يتجاوز عددها ـ مجتمعة ـ عدد أصابع اليد الواحدة.
هل لا تزال الصحافة الثقافية تجذب القرّاء؟ سؤال طرحناه على بعض الأدباء والكتّاب والصحفيين، والبداية مع الشاعرة عائشة بريكات التي تقول: “تجذب البعض، وكما أرى في الوسط الثقافي، لا أحد يقرأ منشوراً ثقافياً ولو كان شعراً، إنهم يضعون التعليقات مجاملةً.. منذ فترة وزّعت علينا مجلة ورقية قالت إحداهن: “جيدة لمسح الشبابيكّ!”.. أنا أقرأ منشورات صديقاتي وأصدقائي الذين يشاركون فيها مقالات صحفية كتبت حول نتاجهم الأدبي ومنشورة في مجلات ومواقع إلكترونية محلية وعربية.. بالتأكيد لو وصلت الصحف والمجلات الورقية إليّ لقرأتها”.
وينوّه الشّاعر خليل حمادة بأمر آخر، وهو الاختلاف في اختيار طرق الحصول على المادة الثّقافية، يقول: “اليوم المتلقي يريد الاستماع إضافة إلى القراءة، مثلاً بعض الأشخاص مستعد للجلوس ساعة وساعتين للاستماع إلى موضوع ثقافي وليس مستعداً لقراءته، وبالنسبة إلى الشعر، هناك قصائد لم يكن البعض ليتذكرها أو يسمعها أو يحفظها لولا المقاطع المصورة “ريلز” المنشورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كذلك الأمر بالنسبة إلى القصة، لذا علينا مواكبة العصر، ومعرفة الطريقة التي يمكننا من خلالها إيصال نتاجنا الأدبي، وعلينا ألّا “نحمل السلم بالعرض” ونلقي الأخطاء على الناس”.

“هل ما زال ثمة قرّاء تستحقهم الصحافة؟” سؤال يطرحه الكاتب والباحث الاقتصادي ورئيس فرع دمشق لاتحاد الكتّاب العرب الدّكتور عصام شيخ الأرض، ويشرح: “لم تعد الصحافة الثقافية تبحث عن القارئ، بل أصبح القارئ هو من يبحث عنها، لا بوصفها سلعة ورقية أو نافذة إخبارية، بل بوصفها فضاءً وحيداً يلتقط أنفاس المعنى في لحظة الاختناق.. لقد تحوّل السؤال من هل تجذب الصحافة القراءَ؟ إلى هل ما زال ثمة قراء تستحقهم الصحافة؟، وفي هذا الانقلاب تكمن الإجابة.. كتب مثقفون كثر عن هذه الظاهرة بتعبيرات مختلفة، لكنها تدور حول محور واحد وهو: تراجع القارئ العام لمصلحة قارئ الضرورة”.
ويتطرق د. شيخ الأرض إلى أمر مهمّ وهو وظيفة الصحافة الثقافية، يبيّن: “إن ما حدث للثقافة، في سوريا كما في غيرها، هو أنها خسرت وظيفتها التوجيهية التي مُنحت لها حين انهارت البوصلة، ظننا أن الصحافة الثقافية ستنهار أيضاً، لكن ما حصل هو العكس لدى القلة التي تمسكت فيها: لقد تحولت الوسيلة إلى غاية، وتحولت الصحيفة من مجرد وسيط إلى مختبر وجودي لإعادة تركيب الذات والمعنى.. ظهر هذا في حوارات عديدة أكدت أن الناس باتوا يقرؤون الملاحق الثقافية لا ليعرفوا خبراً، بل ليتأكدوا أن أحداً ما زال يفكر، وأن الكتابة فعل بقاء لا ترف. هذا هو التحول الأعمق من: ماذا تقول الصحيفة؟ إلى: هل ما زالت تقول شيئاً؟.. إن جاذبية الصحافة الثقافية اليوم ليست جاذبية الامتلاء، بل جاذبية الفراغ الذي تدعوك لملئه، إنها لا تقدم أجوبة جاهزة، بل تخلق فضاء للأسئلة المعلقة، وفي عصر المنصات الرقمية السريعة، أصبحت الصحافة الثقافية الورقية والإلكترونية الجادة أقرب إلى أسلوب منها إلى مادة استهلاكية، إنها لحظة توقف، تأمل، مقاومة للتلاشي في فيضان المحتوى، وهذا بالضبط ما ألاحظه هو أن الملحق الثقافي الذي يصمد هو الذي يتحول إلى واحة معرفة لا إلى سوق استهلاكي للكلمات، إلى مكان للتنفس لا للهاث”.
ويتابع د. شيخ الأرض: “إن الصحافة الثقافية لم تعد تجذب القراء بمعنى الاستقطاب الكمي، بل أصبحت تنتخبهم بمعنى الاستدعاء الوجودي، فهي لا تطلب جمهوراً، بل تستدعي شهوداً على معنىً لا يريد أن يموت، إنها مرآة يبحث فيها المثقف عن وجهه المفقود، وصوت يردده كي لا يصمت تماماً.. في انحسارها الكمي يكمن عمقها الكيفي، وفي عجزها عن منافسة الإعلام الاستهلاكي تكمن قوتها الرمزية. إنها لا تجذب، بل تنادي، ومن يسمع النداء ليس قارئاً عادياً، بل شريكاً في صياغة السؤال الذي سينقذ الثقافة من العدم، أو على الأقل، سيؤجل موتها إلى أجل غير مسمى”.
رأي يخالفه الصحفي حسين الإبراهيم بالقول: “لا تزال الصحافة الثقافية تجذب شريحة واسعة من القرّاء، على الرغم من التحوّلات الكبيرة التي شهدها المشهد الإعلامي في عالم يتزايد فيه زخم المعلومات الرقمية، ويظل الاهتمام بالمحتوى الثقافي العميق والمتخصّص هدفاً قوياً للكثيرين، تستمر الصحافة الثقافية بلعب دور حيوي في تشكيل الوعي المجتمعي، وتقديم رؤى نقدية حول الفنون، والأدب، والسينما، والموسيقا، والمواضيع الاجتماعية والفكرية، ويجد القرّاء في هذا النوع من الصحافة متنفساً للتفكير، والتعمّق في قضايا تتجاوز الأخبار اليومية السطحية، وتوسيع آفاقهم المعرفية، كما أنها توفّر منصّة للمبدعين والفنانين للتعبير عن أعمالهم وطرح أفكارهم”.
ومع ذلك، يرى الإبراهيم أنّ الصحافة الثقافية تواجه تحدّيات كبيرة، ويوضّح قائلاً: “أبرز هذه التحدّيات هو المنافسة الشديدة على وقت واهتمام القرّاء مع المحتوى الرقمي السريع والمتنوّع، كما أن نماذج الإيرادات التقليدية للصحف والمجلات قد تراجعت، ما يفرض ضغوطاً على استمرارية هذه الأقسام المتخصّصة، وفي هذا السياق، بدأ الذكاء الاصطناعي بإحداث تأثيرات ملحوظة في الصحافة الثقافية، إذ يساعد في تحسين عملية جمع وتحليل البيانات المتعلّقة بتوجهات الجمهور واهتماماته، ما يسمح بتقديم محتوى أكثر استهدافاً، كما يمكن استخدامه في توليد مسودات أولية للمقالات، وتلخيص الكتب أو الأفلام، وحتى اقتراح عناوين جذّابة”.
ويضيف الإبراهيم المدرّب وصاحب الباع الطويل في دمج التقنيات الجديدة بالصحافة والأدب: “من ناحية أخرى، يطرح الذكاء الاصطناعي تحدّيات أخلاقية تتعلق بالأصالة، الإبداع، والتحيّز المحتمل في المحتوى المُولَّد، ويخشى البعض أن يؤدي الاعتماد المفرط على الآلة إلى تآكل العمق النقدي والأسلوب الفريد الذي يميز الصحافة الثقافية الأصيلة”، ويخلص إلى القول: “لا تزال الصحافة الثقافية ذات أهمية، لكنها تتطلب تكيّفاً مستمراً مع التكنولوجيا، مع ضرورة الحفاظ على جوهرها النقدي والإنساني، ويمثّل الذكاء الاصطناعي أداة يمكن أن تعزّز هذا المجال إذا تم استخدامه بحكمة، جنباً إلى جنب مع الخبرة البشرية والإشراف النقدي”.
إذاً، نحن أمام نظرتين متناقضتين إلى الصحافة الثقافية، الأولى: تقرّ بالموت المؤجّل لها، والأخرى متفائلة، لكن مع الأخذ بضرورة مواكبة العصر ومواجهة التحدّيات.
ويبقى القول الفصل للأيام القادمة، على أمل ألا يستمر اليوم إلى شهر والشهر إلى سنة.
الوطن ـ نجوى صليبه








