سوريا تدين استهداف أراضي البحرين والكويت والأردن بطائرات وصواريخ مصدرها إيران وتؤكد أنّ أمن واستقرار الدول العربية جزء لا يتجزأ من أمن واستقرار المنطقة ككل

البعثات الدبلوماسية والقنصلية الإفريقية في سوريا تحتفل بيوم إفريقيا

وزير الزراعة يبحث مع سفير الإمارات التعاون وفرص الاستثمار الزراعي

إنذار بإخلاء مدينة صور اللبنانية وسط نزوح كثيف وسقوط ضحايا

عاجل – مقر خاتم الأنبياء الإيراني يعلن وقف الهجمات على إسرائــيل

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

لا تنظروا لسوريا بعيون الماضي!

‫شارك على:‬
20

هناك تواريخ لا تمثل مجرد أحداث عابرة، بل تتحول إلى خطوط فاصلة بين حقبتين؛ فما قبل الحادي عشر من سبتمبر ليس كما بعده، والحال كذلك فما قبل السابع من أكتوبر ليس كما بعده، حيث فتح الباب أمام مرحلة جديدة في الشرق الأوسط ما زالت تداعياتها تتفاعل حتى اليوم.

وفي السياق السوري، يبدو الثامن من ديسمبر تاريخاً من هذا النوع؛ تاريخاً يصعب فهم ما بعده بأدوات ما قبله.

لسنوات طويلة كانت سوريا تُعرّف في الأدبيات السياسية والإعلامية باعتبارها ساحة للأزمات ومصدراً لتصدير المشاكل وعدم الاستقرار.

وكانت غالبية المقاربات الإقليمية والدولية تتعامل معها بوصفها جزءاً من المشكلة لا جزءاً من الحل، لكن التحولات التي أعقبت الثامن من ديسمبر فتحت الباب أمام إعادة تعريف الدور السوري وموقعه في الإقليم.

المفارقة أن بعض الأصوات المعارضة للمسار السوري الجديد ما زالت تنظر إلى البلاد من خلال صورة قديمة تعود إلى ما قبل الثامن من ديسمبر، وكأن شيئاً لم يتغير؛ فهي تتعامل مع سوريا باعتبارها الدولة ذاتها والدور ذاته والوظيفة ذاتها، في حين أن الوقائع السياسية خلال الفترة الماضية تشير إلى محاولة جدية للانتقال من مرحلة إلى أخرى مختلفة بالكامل،

فبدلاً من أن تكون سوريا نقطة اشتباك بين المشاريع الإقليمية، تسعى اليوم إلى أن تكون نقطة التقاء بينها، وبدلاً من أن تُعرّف من خلال صراعاتها مع محيطها، تحاول أن تبني شبكة علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف الفاعلة.

ولعل أبرز ما يميز المرحلة الجديدة هو السعي إلى بناء سياسة خارجية قائمة على التوازن لا الاصطفاف؛ فسوريا تعمل على الحفاظ على علاقاتها التاريخية مع روسيا رغم الجراح والتعقيدات التي خلفتها سنوات الحرب، وفي الوقت ذاته تعمل على بناء جسر لعلاقة استراتيجية جديدة مع الولايات المتحدة تقوم على المصالح المشتركة والاستقرار الإقليمي. وهذه المقاربة لا تقوم على استبدال شريك بآخر، بل على بناء شبكة علاقات متعددة تمنح سوريا هامشاً أوسع للحركة وتحمي مصالحها الوطنية.

 

إن نجاح سوريا في بناء علاقة استراتيجية مستقرة مع الولايات المتحدة لا يقتصر أثره على الجانب السياسي فحسب، بل يمتد لينعكس مباشرة على الاقتصاد والاستثمار وإعادة الإعمار والقطاع المالي والتكنولوجي والخدمي، كما يمكن أن يفتح الباب أمام عودة رؤوس الأموال والشركات العالمية، ويمنح سوريا فرصة للتحول إلى مركز اقتصادي ولوجستي وسياحي مهم في شرق المتوسط خلال السنوات المقبلة.

وفي الوقت نفسه، تدرك دمشق أن استقرار المنطقة يمر عبر بناء توازن دقيق بين العالم العربي وتركيا، لا عبر الانحياز الكامل إلى أحد الطرفين على حساب الآخر، ومن هنا تبرز أهمية الدور السوري بوصفه جسراً بين الجغرافيا العربية والفضاء التركي وهذا ما تجلى في الاتفاق السعودي- التركي على إعادة تأهيل وتطوير شبكة سكك حديدية تربط تركيا بالمملكة العربية السعودية عبر الأراضي السورية والأردنية، بمسار يتجاوز 3000 كيلومتر من الرياض حتى إسطنبول.

 

فالموقع الجغرافي السوري يمنح البلاد فرصة فريدة لتكون ممراً للتجارة والطاقة والاستثمارات، سواء عبر الطرق البرية التي تربط العراق وما بعده بالبحر المتوسط، أو عبر الممرات الاقتصادية التي تصل الخليج بتركيا والأسواق الأوروبية. وهذه ليست مجرد ميزة جغرافية، بل تحولت خلال عام ونصف إلى أساس لدور جيوسياسي جديد يجعل من سوريا مركزاً للحركة الاقتصادية في المنطقة.

واللافت أن التحول السوري جاء في وقت كانت فيه تجارب إقليمية أخرى قد أفضت إلى مزيد من الانقسام والصراع؛ فالتجربة العراقية بعد عام 2003 وما رافقها من اضطرابات، وكذلك الأزمات اللبنانية المتلاحقة، أسهمت في تعميق أزمات المنطقة واستنزاف مواردها البشرية والاقتصادية. أما الحالة السورية الجديدة، فقد اتجهت نحو محاولة احتواء الأزمات ومنع انتقالها إلى الخارج، والسعي إلى تحويل الجغرافيا السورية من ساحة صراع إلى مساحة تلاقٍ للمصالح الإقليمية.

صحيح أن التحديات ما زالت كبيرة، وأن الطريق نحو الاستقرار الكامل لا يزال طويلاً، لكن الأهم أن الاتجاه العام قد تغير، فبدلاً من الحديث عن سوريا باعتبارها مصدراً للمشكلات، بات الحديث دولياً يدور بصورة متزايدة حول قدرتها على المساهمة في حلها. وبدلاً من النظر إليها كعبء على الإقليم، بدأت تُطرح بوصفها جزءاً من معادلة الاستقرار الإقليمي.

لهذا فإن فهم سوريا اليوم يتطلب التحرر من الصور القديمة والأحكام المسبقة؛ فالبلاد التي كانت قبل الثامن من ديسمبر شيئاً، تحاول أن تكون بعده شيئاً مختلفاً تماماً، ومن لا يزال يقرأ المشهد السوري بعقلية الأمس، قد يفوته إدراك حجم التحول الذي جرى ويجري على الأرض، وقدرته على إعادة رسم موقع سوريا ودورها في الشرق الأوسط خلال السنوات القادمة.

ومن أبرز ما يميز التجربة السورية بعد الثامن من ديسمبر أنها لم تعتمد مقاربة تقوم على إنتاج خصومات جديدة أو تعميق الانقسامات القائمة، بل سعت إلى احتواء الخصوم بدلاً من إقصائهم،

فالإدارة الجديدة أدركت أن استقرار سوريا لا يمكن أن يتحقق عبر استبعاد مكونات سياسية أو اجتماعية أو عبر تكريس منطق الغالب والمغلوب، وإنما من خلال فتح قنوات التواصل مع مختلف الأطراف، حتى مع الجهات التي كانت تُصنف في مراحل سابقة ضمن دائرة الخصوم.

هذه المقاربة لم تقتصر على الداخل السوري، بل امتدت إلى العلاقات الخارجية أيضاً؛ فبدلًا من إدارة العلاقات الإقليمية والدولية بمنطق الصراع الدائم، اتجهت دمشق إلى بناء جسور التواصل مع مختلف القوى الفاعلة، والسعي إلى تحويل نقاط الخلاف إلى مساحات للحوار والتفاهم. وكان الهدف من ذلك توفير بيئة أكثر استقراراً تسمح بإعادة بناء الدولة واستعادة دورها الطبيعي في المنطقة.

ولعل ما يجعل هذه التجربة مختلفة عن تجارب إقليمية أخرى هو أنها لم تتجه نحو “نموذج المحاصصة الطائفية” الذي يقوم على تثبيت الانقسامات وتحويلها إلى بنية دائمة في الدولة، كما لم تعتمد سياسة الإقصاء التي غالباً ما تؤدي إلى إنتاج أزمات جديدة. بل حاولت أن تؤسس لمرحلة يكون معيار المشاركة فيها هو المساهمة في بناء الدولة واستقرارها، لا الانتماء إلى هذا المعسكر أو ذاك.

ومن هنا يمكن فهم الجهد السوري خلال المرحلة الماضية بوصفه محاولة للانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة الحلول، ومن منطق المواجهة المستمرة إلى منطق الاحتواء والاستيعاب. ولهذا لم يكن التحول السوري مجرد تغيير في السلطة أو في السياسات، بل تغييراً في وظيفة الدولة نفسها. فبعد أن ارتبط اسم سوريا لسنوات طويلة بالأزمات والصراعات الإقليمية، بدأت تتشكل رؤية جديدة تقوم على جعلها منصة للحوار والتلاقي ومركزاً للاستقرار الإقليمي، فالدولة التي كانت تُتهم بأنها تمسك بالملفات الإقليمية لاستخدامها كأدوات ضغط وتهديد ضد جوارها، تسعى اليوم إلى توظيف موقعها وعلاقاتها وقدراتها من أجل المساهمة في حل هذه الملفات وإيجاد مساحات مشتركة بين الأطراف المختلفة.

ومن هنا تبرز أهمية الثامن من ديسمبر بوصفه نقطة تحول تاريخية؛ ليس لأنه أنهى مرحلة حقبة سوداء فحسب، بل لأنه دشّن محاولة لإعادة تعريف الدور السوري داخلياً وإقليمياً؛ فجوهر التحول لا يكمن في تغيير الأشخاص أو السياسات فقط، وإنما في الانتقال من منطق إدارة النفوذ عبر الأزمات إلى منطق بناء النفوذ عبر الاستقرار، ومن تصدير المشكلات إلى المساهمة في إنتاج الحلول.

أيمن محمد