“العالم أصبح قرية صغيرة” عبارة كنّا نسمعها ونرددها مذ اختُرعت الهواتف النّقالة، لكنّنا، اليوم، وفي ظل وجود كل هذه التقنيات الحديثة، صار بإمكاننا القول إن كل فرد فينا صار عالماً بحدّ ذاته.. وإنْ كنا نقول سابقاً إن الإنسان يسافر عبر الكتاب الذي يقرؤه إلى عوالم مختلفة، فها هو ـ أي الكتاب ـ صار بين يديه متوافراً على مدار الأربع والعشرين ساعةً، نتحدث عن الكتاب الرقمي الذي وفّر على القارئ الكثير من التعب والمال، وأتاح له فرصة قراءة كتب كانت ممنوعة أو غير موجودة في بلده.. وسؤالنا هنا هل للكتاب الرقمي شعبيته وهل يحلّ مكان الكتاب الورقي؟ وهنا نتحدث طبعاً على مستوى الفرد القارئ وسوق الكتاب.
تفضّل إيلان دركزلي ـ معهد معلوماتية ـ الكتاب الإلكتروني على الورقي، تعلل: “لأني أستطيع قراءته في أي مكان، ولأنه أسهل في الوصول إليه، فأنا لا أحتاج إلى الذهاب إلى المكتبات والبحث عن الكتاب أو تحمّل ثمنه، بل يمكنني تحميله مباشرة من أي موقع كتب وقراءته مباشرة”، على حين تفضل زبيدة بغداي ـ مدرّسة تاريخ ـ القراءة من الكتب الورقية أكثر من الرقمية، تقول: “أحب ملمس الأوراق ورائحة الكتاب الذي أقرؤه، وللقراءة من الكتاب الورقي طقوس معينة لا أجدها في الكتاب الرقمي”.
كذلك الأمر بالنسبة إلى الأديبة رجاء علي، تقول: “من خلال تجربتي، لا يمكنني استبدال الكتاب الورقي بالرقمي.. كيف سأضع إشارة على الصفحة التي توقفت عندها؟ وكيف تشاركني أصابعي في تقليب الصفحات؟ وكيف أعيد الكتاب إلى مكانه بين الرفوف إذا قرأت كتاباً إلكترونياً؟ لا مثيرات عاطفية تجمعني به.. لرائحة الورق وضم الصفحات والكلمات بي.. لرائحة الورق وضم الصفحات والكلمات بين العين والعقل قصة لا يعرفها إلا من قرأ كتاباً ورقياً وانسجم بكل ما فيه من أفكار وأحداث وقيم وعواطف، وعلى الرغم من رغبتي بقراءة كتب لم أحصل عليها ورقياً لم أسقط بفخ القراءة الإلكترونية التي صارت تضم كل ما نرغب، وما يزال الكتاب الورقي صديقي ونافذتي المفتوحة على العالم الأدبي.. من يسقط في فخ القراءة الإلكترونية شخص لا يملك ثقافة حية.. منذ فترة أرسل إليّ صديق ترجمة للكاتبة الفرنسية التي فازت بجائزة نوبل منذ عامين أو أكثر وعلى الرغم من جمال كلماتها لم أستطع المتابعة”.

أما الشاعر عمر أورفه لي، فينوه منذ البداية بابتعاد شريحة من الأطفال واليافعين عن القراءة، واقتصار قراءاتها على المنهاج المدرسي فقط، ويضيف: “لا أنظر إلى الكتاب الرقمي على أنه كتاب مضاد للورقي، بل على العكس تماماً، هو كتاب رديف، ومن يبحث يتأكد من هذا الأمر لأن العديد من الكتب تمت رقمنتها، ما ساعد بانتشار الكتاب الورقي أكثر، لكني أحب التأكيد على فكرة، هي أنه أثناء القراءة كلما كانت الحواس أكثر كلما كانت القراءة أعمق، أي أنا ألمس الكتاب وأراه وأشتم رائحته وأسمع صوتي عندما أقرأ، بينما الإلكتروني أراه فقط، لذلك فإن أفكار الكتاب الورقي تصل أكثر، وهذا الذي يجعلنا نقول إن الإنسان يفضّل الكتاب الورقي على الإلكتروني أو الرقمي”.
هذا حال القرّاء، فماذا عن حال سوق الكتاب؟؟ يحدثنا هيثم الحافظ ـ دار الحافظ: “هناك تراجع في الكتاب الورقي، والأسباب كثيرة، منها تدني القراءة وضعف المستوى الاقتصادي للمجتمع وعدم وجود كتب جديدة بشكل كبير وعدم تفرغ المواطن العربي وضعف الإمكانية المالية لدفع تكاليف إنتاج الكتاب، وربما في بعض الأحيان بسبب وجود الكتاب الرقمي.. طبعاً للكتاب الرقمي تأثير بسيط في السوق المحلية والعربية، وتحديداً على نوعين من الكتب، هما أمات كتب التراث العربي والكتب الإسلامية، وبعض المناهج المدرسية التي لها علاقة بالتعليم مثلاً تعليم اللغات والكتب العلمية الضخمة”.
ويضيف الحافظ: “صار للكتاب الرقمي دور وحضور جيد، ربما ساهم بإضعاف الكتاب الورقي وأثّر عليه بشكل كبير.. طبعاً لا ننسى كتاب الطفل، اليوم، تأثر بشكل كبير بالكتاب الرقمي الذي أتصور كان له دور في انخفاض مبيعات الكتاب الورقي، وبالذات عندما نقول الكتاب التفاعلي أو الصوتي والتفاعلي إن كان عن طريق الحاسوب أو بعض التطبيقات، لكن نعود ونؤكد ليس له هذا الدور الكبير أي لم يأخذ الكتب الرقمي نسبة 50 بالمئة من حصة الكتاب الورقي في السوق، بل أخذ نسبة ضئيلة جداً، وبرأيي بمجموع اختصاصات الكتب جميعاً لا تصل إلى 20 بالمئة أو ربما 25 بالمئة، لكن إجمالاً هناك تراجع في القراءة بالوطن العربي وفي سوريا، وهذا شئنا أم أبينا يؤثر بشكل أو بآخر على القراءة والمعرفة”.
الوطن ـ نجوى صليبه








