لم تعد العلاقات السورية الألمانية تُقرأ اليوم من زاوية ملفات اللجوء والمساعدات الإنسانية فقط، بل باتت تتحرك ضمن مسار إعادة بناء الثقة السياسية، وتحويل المصالح المشتركة إلى شراكات مؤسسية طويلة الأمد. ويأتي افتتاح أعمال اللجنة السورية–الألمانية المشتركة في دمشق برئاسة وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، ووزير الدولة في وزارة الخارجية الاتحادية الألمانية غيزا أندرياس فون غاير، كإشارة سياسية إلى انتقال العلاقة بين البلدين نحو صياغة مستقبل التعاون.
فاللجنة المشتركة تعكس تحولاً في طبيعة النظرة المتبادلة بين دمشق وبرلين، إذ تجمع للمرة الأولى ضمن إطار مؤسساتي واحد ملفات سياسية واقتصادية وتنموية وإنسانية، تشمل التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار والاستثمار والطاقة والنقل والطيران المدني والعدالة الانتقالية والمفقودين وملف اللاجئين.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من كون ألمانيا إحدى الدول الأوروبية الأكثر ارتباطاً بالملف السوري خلال العقد الماضي، سواء بسبب استضافتها لأعداد كبيرة من السوريين أو بسبب ثقلها الاقتصادي والسياسي داخل الاتحاد الأوروبي.

فقد أصبحت ألمانيا موطناً لأكبر جالية سورية في أوروبا مع وجود أكثر من مليون سوري على أراضيها، بينهم آلاف من أصحاب الكفاءات العلمية والطبية والهندسية، ما يجعل العلاقة بين البلدين ذات بعد بشري واقتصادي يتجاوز الأطر السياسية التقليدية.
وفي هذا السياق، برز خلال زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى ألمانيا في آذار الماضي طرح مفهوم العودة الدائرية بوصفه مقاربة جديدة لمعالجة ملف السوريين المقيمين في الخارج، تقوم على تجاوز النظرة التقليدية التي تختزل العودة بالانتقال النهائي من بلد اللجوء إلى الوطن.
فالعودة الدائرية تفتح المجال أمام السوريين للاستفادة من خبراتهم وشبكاتهم المهنية في ألمانيا مع استمرار ارتباطهم بسوريا، عبر زيارات دورية ونقل المعرفة والمساهمة في مشاريع اقتصادية وتنموية، بما يحول وجودهم في الخارج إلى فرصة لبناء جسور اقتصادية ومعرفية.
وتحمل هذه الرؤية بعداً استراتيجياً، لأنها تتعامل مع ملايين السوريين في الخارج باعتبارهم جزءاً من عملية التعافي الوطني، وليسوا مجرد أرقام في سجلات الهجرة واللجوء.
كما أنها تنسجم مع المصالح الألمانية التي تبحث عن حلول مستدامة لملف الهجرة، تقوم على توفير الظروف التي تسمح بعودة آمنة وكريمة وطوعية ومستدامة، مع احترام إرادة السوريين وحقوقهم.
وفي السياق، يمثل تشكيل اللجنة المشتركة انتقالاً نحو إعادة تعريف الأولويات بين دمشق وبرلين، حيث تتجه المحادثات الحالية نحو قطاعات إنتاجية قادرة على خلق فرص عمل وتحريك الاقتصاد، وفي مقدمتها الطاقة والبنية التحتية والنقل والطيران والصناعة.
وتبرز ألمانيا كشريك محتمل في مرحلة إعادة الإعمار نظراً لامتلاكها خبرات واسعة في مجالات الطاقة المتجددة وإدارة البنية التحتية والتكنولوجيا الصناعية والتدريب المهني، وهي قطاعات تحتاجها سوريا خلال مرحلة إعادة بناء مؤسساتها واقتصادها.
كما أن مشاركة مؤسسات اقتصادية ومالية وقطاعات متخصصة من الجانبين في أعمال اللجنة، ومنها الطاقة والاقتصاد والمالية والطيران المدني والبنك المركزي، تعكس توجهاً نحو تحويل العلاقة إلى برامج تنفيذية.
إن اللجنة المشتركة تشكل اليوم، بداية إطار طويل الأمد يعيد تعريف العلاقة بين دمشق وبرلين على قاعدة المصالح المتبادلة، ويجعل من التعاون الاقتصادي والتنمية مدخلاً لترسيخ الاستقرار السياسي.
الوطن- أسرة التحرير








