تواجه المصارف السورية مرحلة مفصلية تتقاطع فيها متطلبات الإصلاح المالي والمصرفي مع الحاجة إلى إعادة تفعيل دور القطاع المصرفي في تمويل الاقتصاد، وسط سيولة مصرفية مرتفعة مقابل توقف شبه كامل للإقراض، ما يجعل استعادة وظيفة الإقراض أحد أبرز التحديات في المرحلة المقبلة.
الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، أوضح لـ”الوطن”، أن سوريا تتجه منذ عام 2025 نحو استكمال الإصلاحات المالية والمصرفية المطلوبة دولياً، بما في ذلك متطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بهدف الخروج من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي الدولية «FATF» وإعادة الاندماج في المنظومة المالية العالمية.
سيولة مرتفعة وإقراض شبه معطّل
ويشير محمد إلى أن حبس السيولة يمثل السمة الهيكلية الأبرز للقطاع المصرفي السوري، موضحاً أنه في نهاية عام 2024 شكّلت الأصول السائلة، بما فيها النقد والأرصدة لدى المصرف المركزي والمصارف، نحو 80 إلى 82 بالمئة من إجمالي موجودات المصارف الخاصة، مع نسب سيولة تجاوزت 300 بالمئة، مقابل حد أدنى قانوني قدره 30 بالمئة.
وبحسب محمد، رافقت هذه السيولة المجمّدة نسب تمويل متدنية للغاية، إذ بلغت 10 بالمئة للمصارف التقليدية و12 بالمئة للمصارف الإسلامية من إجمالي الموجودات، مقابل 55 بالمئة في القطاع المصرفي العربي.
لماذا بقي الإقراض معطّلاً؟
ويرى أستاذ التمويل والمصارف أن مصير الإقراض لا يزال معطلاً لأسباب متراكمة، تبدأ من تعليق الإقراض منذ حزيران عام 2020، مروراً بالقرار 204 لعام 2023 الذي قيّد التسهيلات الائتمانية، وصولاً إلى انعدام الثقة وغياب الضمانات القابلة للتنفيذ.
وتشير تقديرات أكاديمية، بحسب محمد، إلى أن استمرار هذا الوضع يهدد أكثر من 90 بالمئة من منشآت القطاع الخاص بالإفلاس أو اللجوء إلى التمويل غير الرسمي، بفوائد تصل إلى 30 و50 بالمئة.
الامتثال الدولي مقابل استعادة الإقراض
وبصفته أكاديمياً اقتصادياً، يرى محمد أن التوفيق بين متطلبات الامتثال الدولي واستعادة وظيفة الإقراض يمثل المعضلة المركزية للاقتصاد السوري الراهن.
ومن منظور اقتصادي، يفرض تشديد معايير مكافحة غسل الأموال، كما أظهرت تجارب مقارنة، تكلفة خفية تتمثل في تقليص السيولة المتاحة للإقراض المشروع، وخاصة للشركات الصغيرة
لكن بالنسبة لسوريا، يعتقد محمد أن هذه التكلفة تظل مؤقتة وضرورية، إذ إن المكسب الاستراتيجي المتمثل في فتح قنوات المصارف المراسلة والوصول إلى التمويل الدولي يتجاوز بكثير أثر الانكماش الائتماني قصير الأجل.
ويؤكد محمد أن نجاح هذه العملية مشروط بمعالجة جذرية لبيئة المخاطر المحلية، بما يشمل الأمن القانوني والاستقرار النقدي والثقة المؤسسية، وإلا تحوّل الامتثال إلى غطاء لاستمرار الشلل الائتماني.









