لم يكن اجتماعا “العلمين” المتتاليان لقادة القرن الأفريقي ثم لوزراء خارجية مصر وتشاد وليبيا مجرد لقاءين بروتوكوليين، بل حلقتان في مسار واحد لإعادة رسم موازين النفوذ في شرق أفريقيا وشمالها، في وقت تتقاطع فيه أزمات القرن الأفريقي والساحل والصحراء والبحر الأحمر ضمن بيئة أمنية آخذة في التعقيد.
القمة الرباعية في العلمين التي جمعت مصر والسودان وإريتريا والصومال، وضعت مجموعة من الملفات المتصلة بالأمن الإقليمي في إطار واحد: وحدة السودان وسيادته وحدة الصومال ورفض المساس بأراضيه، أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة، إضافة إلى قواعد استخدام مياه النيل ورفض الإجراءات الأحادية التي تضر بالاستخدامات المائية القائمة لدولتي المصب، كما اتفق القادة على إنشاء آلية لمتابعة مخرجات القمة وعقدها بصورة دورية.
وتكتسب هذه الخطوة وزناً إضافياً، فهي أول قمة من نوعها بين هذه الدول وجاءت بعد يومين فقط من تصعيد دبلوماسي إثيوبي حاد، بالتزامن مع تجدد القتال في إقليم تيغراي، فقد قطعت أسمرة علاقاتها الدبلوماسية مع أديس أبابا بعد قرار الأخيرة إغلاق سفارتها في إريتريا وطرد دبلوماسيين إريتريين، فيما تبادلت إثيوبيا ومصر طرد دبلوماسيين، وسط اتهامات إثيوبية لمصر والسودان وإريتريا بدعم قوى معارضة، وهي اتهامات تنفيها الدول الثلاث.
هنا تبدو أهمية الاجتماع الرباعي في كونه محاولة لبناء مساحة تشاور بين دول تتشارك، بدرجات مختلفة، هواجس مرتبطة بأمن البحر الأحمر والمياه ووحدة الدول وتداعيات الصراعات الداخلية العابرة للحدود، وهو ما يعكس سعياً إلى تنسيق المواقف قبل أن تتحول الأزمات المتداخلة إلى صراع إقليمي أوسع.
ويأتي ذلك في ظل تنامي التوغل الإسرائيلي في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، فقد أصبحت إسرائيل لاعباً أكثر حضوراً في معادلات المنطقة بعد اعترافها بـ”أرض الصومال” وإقامة علاقات دبلوماسية معها، فيما ربطت تحليلات إقليمية هذا التحرك بالموقع الاستراتيجي المطل على خليج عدن وباب المندب، كما بحثت تقارير إعلامية احتمال تطور هذا الحضور إلى ترتيبات أمنية أوسع.
وفي هذا السياق، يصبح التحرك المصري باتجاه تشاد وليبيا ذا دلالة تتجاوز مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، فالقاهرة تدفع بالتوازي، نحو إعادة تفعيل تجمع دول الساحل والصحراء بعد توقف عمل مؤسساته لسنوات طويلة، ليشمل عقد اجتماع وزاري تمهيداً لقمة لرؤساء الدول والحكومات، وإعادة مؤسسات التجمع إلى العمل.
وتحمل هذه الخطوة بعداً جغرافياً مهماً؛ إذ تمتد دائرة التحرك المصري من القرن الأفريقي والبحر الأحمر إلى الساحل والصحراء، عبر السودان وتشاد وليبيا، بما يتيح إنشاء شبكات تشاور متعددة لا تقوم بالضرورة على تحالف واحد، وإنما على مصالح أمنية وسياسية وتنموية متقاطعة.
والخلاصة أن العلمين لم تعد مجرد منتدى، بل منصة تتشكل فيها تفاهمات جديدة، وسيبقى اختبارها الحقيقي في قدرتها على تحويل البيانات إلى سياسات فعلية، للتعامل مع تهديدات تتجاوز حدود الدول، في وقت بات فيه أمن النيل والبحر الأحمر والساحل والصحراء حلقات متصلة في معادلة واحدة.
أسرة التحرير








