في خطوة هي الأولى من نوعها، أُعلن بدء العمل على مشروع توءمة بين مدينتي إدلب و”باساو” الألمانية، في خطوة تاريخية تُعد الأولى من نوعها بين مدينة سوريّة وأخرى ألمانية، ويستهدف المشروع تطوير التعاون وتبادل الخبرات في المجالات الثقافية والتعليمية والمجتمعية والتنموية، إلى جانب فتح المجال أمام مبادرات وشراكات مشتركة بين المدينتين.
وجاء إطلاق المشروع ضمن فعاليات “اليوم الثقافي السوري الألماني، بالتوازي مع مسار تعاون أوسع بين سوريا وألمانيا يشمل التعافي الاقتصادي والمالي وإعادة الإعمار إلى جانب ملفات أخرى، فماذا تعرف عن مدينة “باساو”؟
هي مدينة تاريخية وسياحية ساحرة تقع في ولاية “بافاريا” جنوب شرقي ألمانيا، على الحدود مع النمسا، تُعرف عالمياً باسم “مدينة الأنهار الثلاثة” نظراً لالتقاء أنهر “الدانوب” و”إين” و”إيلتس” فيها، حيث يمتزج لون نهر “إين” الأخضر مع لون نهر “الدانوب” الأزرق الداكن بوضوح لافت عند نقطة التقائهما.
تُلقب “باساو” أيضاً بـ”فينيسيا بافاريا” نظراً لأن المعماريين الإيطاليين هم من أعادوا بناء أجزاء واسعة منها على الطراز “الباروكي” بعد تعرضها لحرائق مدمرة في القرن السابع عشر.
تضم المدينة “كاتدرائية “القديس ستيفن” الشهيرة التي تحتضن واحدة من أكبر آلات الأرغن الموسيقية في العالم، والتي تحتوي على أكثر من 17,000 أنبوب، إضافة إلى قلعة “فاست أوبرهاوس” التي تعد حصن تاريخي ضخم يعود للقرن الثالث عشر، يتربع على قمة تلة مطلة على المدينة ويوفر إطلالات بانورامية مذهلة على ملتقى الأنهار والبلدة القديمة.
خلال فترة العصور الوسطى وبدايات عصر النهضة، اكتسبت “باساو” شهرة أوروبية واسعة في صناعة السيوف والأسلحة البيضاء، وكان الحرفيون يختمون نصالهم برمز “الذئب”، واعتقد المحاربون وقتها أن هذا الرمز يمنح السلاح قوة وحصانة خارقة، لدرجة أن هذه الممارسة عُرفت تاريخياً باسم “فن باساو”.
وتضم المدينة معلماً مميزاً يؤدي إلى دير “مارياهيلف” الشهير الواقع على إحدى التلال، وهو عبارة عن درج ضخم يتألف من 321 درجة مغطاة بسقف خشبي تراثي، ويشكل وجهة رياضية ودينية محبوبة لمن يحبون رياضة المشي واستكشاف المرتفعات.
كما تُعد “باساو” نقطة انطلاق رئيسة وشهيرة للغاية لعشاق ركوب الدراجات الهوائية والرحلات النهرية؛ حيث ينطلق آلاف السياح سنوياً من ضفاف نهر “الدانوب” في “باساو” باتجاه العاصمة النمساوية فيينا عبر مسار دراجات عالمي ممهد وخلاب يرافق مجرى النهر.
وتضم المدينة أيضاً زقاق ضيق وقديم في البلدة القديمة باسم “شارع الفنانين”، حيث يتحول في الأيام المشمسة إلى معرض فني مفتوح تعرض فيه لوحات ومنحوتات وأعمال يدوية لفنانين محليين، ما يمنحه طابعاً بوهمياً ساحراً يختلف عن باقي شوارع المدينة الباروكية.
وبحكم موقعها الجغرافي الاستراتيجي المباشر على الحدود مع النمسا، استقبلت أفواجاً ضخمة من العائلات السورية التي هربت من القصف والتدمير خلال حكم النظام البائد، فكانت المدينة بمنزلة البوابة الأولى التي يتنفس فيها اللاجئون الصعداء بعد رحلة موت شاقة، مسجلين فيها خطواتهم الأولى على الأراضي الألمانية قبل توزيعهم على بقية المدن والمقاطعات.
ورغم التحديات، اندمج الكثير من الشباب والعائلات السورية في سوق العمل، والدراسة، ومراكز التدريب المهني في “باساو” والمناطق المحيطة بها، ليصبحوا جزءاً فاعلاً من النسيج الاجتماعي والاقتصادي المحلي.
لذلك، ستظل مدينة “باساو” محفورة في ذاكرة آلاف السوريين كأول نقطة لمعانقة الأمان والبدايات الجديدة بعد سنوات اللجوء القاسية، كما ستظل في التاريخ الأوروبي المعاصر شاهدةً على واحدة من أكبر عمليات الإغاثة واستيعاب الأزمات الإنسانية في العصر الحديث.









