لطالما ارتبطت صورة المعلم في الذاكرة الاجتماعية بدوره في التربية والتعليم وصناعة الأجيال، إلا أن حضور هذه الشخصية على الشاشة السورية لم يأتِ دائماً بالقدر نفسه من التنوع والعمق، ففي الوقت الذي أتاحت فيه البيئة المدرسية مادة غنية للدراما، خصوصاً الكوميديا منها، انحصرت صورة المدرس في عدد من الأعمال ضمن ملامح نمطية تراوحت بين السذاجة والمبالغة والسخرية، بينما قدمت أعمال أخرى نماذج أكثر قرباً من وظيفة المعلم الإنسانية والتربوية.
اليوم وبالتزامن مع اليوم العالمي للمعلم، تستذكر “الوطن” أبرز ملامح معالجة الدراما السورية لشخصية المعلم في أعمالها، فهل أنصفت الدراما المعلم أم ظلمته؟
كانت الكوميديا تحديداً مساحة واسعة لتناول هذه الشخصية، إذ وفرت العلاقة اليومية بين المدرس وطلابه مجالاً للمفارقات والمواقف الساخرة، لكن هذه المساحة لم تكن دائماً متوازنة؛ فبينما استخدمت بعض الأعمال الموقف التعليمي لطرح قضايا اجتماعية، اختزلت أعمال أخرى شخصية المعلم في صفات جاهزة، ليصبح مصدر الضحك الأساسي في المشهد.

وفي بعض التجارب، بدا الأداء التمثيلي نفسه جزءاً من تكريس هذه الصورة، من خلال المبالغة في الحركات وطريقة الكلام وردود الأفعال، الأمر الذي جعل المدرس المضحك قالباً متكرراً، وحتى حين حاولت بعض الأعمال تقديم المعلم باعتباره صاحب رسالة، جاءت صدمته من الواقع العلمي أو الأخلاقي والاجتماعي في بعض الأحيان ضمن إطار ساخر، بدلاً من التوقف عند أبعاد الشخصية وما يحيط بها من ضغوط مهنية وإنسانية.
تبدو تجربة الفنان ياسر العظمة في مسلسل “مرايا” واحدة من النماذج التي عالجت شخصية المعلم ضمن أكثر من سياق، ففي لوحة “درس خصوصي”، أدى العظمة دور مدرّس للغة العربية، بينما جسد عابد فهد شخصية طالب كسول يتلاعب بالكلمات، لتنشأ المفارقة من العلاقة بين المدرّس والطالب ومن طبيعة المادة التي يحاول المعلم تدريسها.
وقّدمت لوحة أخرى حملت عنوان “مدرّس رياضيات”، إسقاطاً واقعياً عن طريقة تعاطي الأجهزة الأمنية زمان النظام البائد مع المدرّس بعد أن يأمر أحد الضباط عناصره باستقدام مدرّس رياضيات لإعطاء الدروس الخصوصية لابنه، ليتم التعامل معه بصورة سلبية لا تليق بمكانة المعلم.
أما مسلسل “أيام الدراسة”، فقد جعل من الحياة المدرسية والطلاب محوراً أساسياً للأحداث، مقدّماً أجواء المرحلة الثانوية وعلاقات المراهقين ومواقفهم ضمن قالب يغلب عليه الطابع الكوميدي.
ورغم الحضور اللافت للعمل ومتابعته الواسعة، بقيت حياة المعلمين خارج مركز الحكاية في معظم تفاصيلها، فلم تتوسع الأحداث في تقديم ظروفهم الخاصة أو المهنية، أو في استكشاف انعكاس البيئة المدرسية على حياتهم خارج الصف.
ومن الشخصيات التي حضرت في هذا السياق شخصية المعلم “عدنان” التي قدّمها وائل زيدان، في نموذج كوميدي يرتبط أيضاً بذاكرة الفنان الشخصية وتجربته مع أحد مدرسيه، على حين قدّم الفنان الراحل محمد قنوع في العمل شخصية “حسان” المدرّس المحبوب من الطلاب والإدارة على حد سواء، بينما قدّمت الفنانة فاتن شاهين شخصية لا تخلو من بعض المواقف الكوميدية مع الطلاب.
على الجانب الآخر، قدّم مسلسل “أشواك ناعمة”، نموذجاً أكثر اتصالاً بالجانب التربوي والاجتماعي للمدرسة، فقد تابع حياة مجموعة من طالبات المرحلة الثانوية، وما يوجهونه من مشكلات داخل المدرسة وخارجها، مع إضاءة على الظروف الاجتماعية والعائلية التي تحيط بهن.
وكان لافتاً حضور شخصية المشرفة الاجتماعية التي أدتها سلمى المصري، والتي لم تكتفِ بدورها داخل المدرسة، بل انتقلت إلى بيوت الطالبات وتعرفت إلى أوضاعهن الأسرية ومشكلاتهم، لتصبح المدرسة من خلالها مساحة للإنصات والتوجيه ومعالجة الأزمات.
ورغم أن الشخصية ليست معلماً بالمعنى المباشر، فإنها اقتربت من نموذج المربي الذي يرافق الطالب ويتابع مشكلاته ويسعى إلى مساعدته، مقدمة صورة مختلفة لدور المدرسة في التربية إلى جانب التعليم.
ولعل من الفنانين السوريين الذين قدّموا شخصية المعلم في أكثر من تجربة، يبرز بسام كوسا، الذي أدى أدواراً مرتبطة بالمدرسة والتعليم في أعمال مختلفة، منها “أنشودة الأمل” في تسعينيات القرن الماضي، ومسلسل “البطل” في العام قبل الفائت، حيث جسّد شخصية مدير مدرسة يحضر في حياة الطلاب بوصفه مربياً وصاحب موقف.
وتكشف هذه النماذج أن شخصية المعلم لم تكن غائبة تماماً عن الدراما السورية، لكنها ظهرت بصور متعددة ومتفاوتة، من المدرّس الذي يصبح مادة للمفارقة الكوميدية، إلى المربي الذي يرتبط بحياة طلابه ومسؤولياتهم، مروراً بالشخصية الإدارية التي تتحمل مسؤولية مدرسة وطلاب وكادر تعليمي.
ورغم تنوع هذه النماذج، بقيت جوانب أخرى من شخصية المعلم بعيدة عن الشاشة، وفي مقدمتها حياته النفسية والاجتماعية، فالمعلم شخصية إنسانية تحمل مخاوفها وضغوطها وأحلامها، وتتعرض للفرح والغضب والحزن والإحباط، كما تواجه تحديات مرتبطة بمهنته وحياته الخاصة.
وقد كان من الممكن لهذه التفاصيل أن تشكّل مادة درامية واسعة، سواء من خلال علاقة المعلم بطلابه، أو صراعه مع ظروف المهنة، أو علاقته بأسرته، أو تأثير التحولات الاجتماعية والاقتصادية في نظرته إلى دوره ومسؤوليته.
وبدلاً من حصر الشخصية في صورة المدرس الساذج أو المعلم المضحك، كان يمكن للدراما أن تفتح مساحات أكبر أمام نماذج متعددة، منها المعلم الذي يكافح للحفاظ على شغفه بالمهنة، أو الذي يواجه تغير علاقة الطلاب بالمدرسة، أو ذلك الذي يحاول حماية طالب من مشكلات اجتماعية وأسرية تتجاوز حدود الصف
وتبقى الصورة التي تصنعها الدراما للمعلم جزءاً من الصورة الأوسع التي يقدمها الفن عن المدرسة والتعليم والمجتمع، لتبدو الشاشة أمام فرصة لتقديم شخصية أكثر تنوعاً، تقترب من واقع المهنة وتمنح صاحبها مساحة ليظهر إنساناً قبل أن يكون معلماً.









