دخلت الاحتجاجات الطلابية في فرنسا مرحلة جديدة مع اتساع رقعتها وانضمام النقابات والعاملين في التعليم وأولياء الأمور إلى التحرّكات، فما بدأ خلال الأسابيع الماضية في عدد من المدارس الثانوية بمنطقة باريس، على خلفية أوضاع الدراسة والموارد المتاحة داخل المؤسسات التعليمية، أخذ يفرض نفسه في النقاش العام باعتباره اختباراً لطريقة تعامل الحكومة مع مطالب اجتماعية تتصل بحياة فئة واسعة من الفرنسيين.
الشرارة الأولى خرجت من المدارس، عندما نظّم طلاب احتجاجات على نقص المدرسين، واكتظاظ الفصول، وتراجع أعداد الممرّضين والموظفين الاجتماعيين، إضافةً إلى أوضاع عدد من المباني والتجهيزات، وفي مدارس أخرى، حضرت مشكلة الجداول الدراسية الطويلة وغير المنتظمة، فيما أضافت منصّة “باركور سوب” الخاصة بالقبول في التعليم العالي طبقة أخرى من القلق، في مرحلة دراسية ترتبط بالنسبة إلى كثير من الطلاب بمستقبلهم الجامعي والمهني.
ومع اتساع التحرّكات، ظهرت قضية أخرى إلى الواجهة، وهي موقع الطلاب في صناعة القرارات المتعلّقة بالمدرسة، فوزير التربية إدوار جفراي أقر بوجود مشكلات في آليات “الديمقراطية المدرسية”، في وقت فتحت فيه الوزارة مشاورات مع الطلاب والنقابات وأولياء الأمور.
وبدا أن التحرك بدأ يحمل وزناً إضافياً مع إعلان النقابات دعمها المظاهرات ودعوة العاملين في التعليم إلى المشاركة، لتتسع دائرة المشاركين وتتشابك المطالب، فالمدرسون لديهم ملفاتهم الخاصة المتعلّقة بالعمل والموارد، والطلاب يركّزون على ظروف الدراسة، في حين يحمل أولياء الأمور شكاوى مرتبطة بجودة التعليم ومستقبل أبنائهم.
ولعل أكثر ما يكشف عن اتساع دلالة التحرٍك هو الاسم الذي اختاره منظّموه، “الفصل الثالث”، فالتسمية تستعيد مفردة ارتبطت في الذاكرة الفرنسية بمراحل سابقة من الاحتجاج، ولا سيما “السترات الصفراء”، التي استخدمت بدورها لغة “الفصول” والمراحل المتعاقبة للتعبير عن استمرار التعبئة.
وفي هذا السياق، رأت صحيفة “لوموند” أن الاسم يحمل إشارة واضحة إلى تلك الحركة، وأن دخول النقابات إلى التحرّك يمكن أن يمنحه تنظيماً وحضوراً أكبر، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام التقاء احتجاجات كانت تتحرّك حتى الآن في مسارات منفصلة.
فتجربة “السترات الصفراء” بدأت عام 2018 احتجاجاً على زيادة ضريبة الوقود، قبل أن تتسع قائمة مطالبها لتشمل القدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية والتمثيل السياسي، وكان أحد عناصر قوة تلك الحركة قدرتها على جمع فئات مختلفة حول شعور مشترك بالضغط الاقتصادي والسياسي، مع بقاء بنيتها خارج الأطر النقابية والحزبية التقليدية.
وربما الفارق هذه المرة يتلخص في أن المدارس هي نقطة التجمّع الأولى، وأن النقابات دخلت إلى المشهد في مرحلة لاحقة، كما أن المطالب المعلنة أكثر ارتباطاً بالتعليم والإنفاق العام، فيما تقف الحكومة أمام موازنة تضغط عليها قيود مالية شديدة.
هذه التطورات تطرح أسئلة تتعلّق بطبيعة الحركة نفسها، فهل تستطيع المطالب الطلابية الحفاظ على مركزها حول التعليم؟ وهل يؤدي دخول النقابات إلى تنظيم الاحتجاج أم إلى توسيع ساحته؟ وهل يمكن أن تلتقي شكاوى الطلاب والمدرّسين وأولياء الأمور عند عنوان اجتماعي واحد؟
الإجابة، حسب ما ترى مصادر مواكبة، ستتحدّد في الشارع وفي إمكانية حفاظ الأطراف المختلفة على مساحة مشتركة بين مطالبها، لكن ما يظهر حتى الآن أن المدرسة أصبحت نقطة التقاء بين قضايا تتعلّق بالتعليم والموارد العامة والقدرة على تمويل الخدمات، وهو ما يمنح الاحتجاجات الحالية مساحة أوسع للنقاش من حدود المؤسسات التي بدأت منها.
أسرة التحرير








