ملايين الدولارات وعشرات الأشخاص وملفات قضائية تتصل بمخالفات الصرافة ونقل القطع الأجنبي، أموال ما زالت محتجزة وأصحابها ينتظرون حسم مصيرها، في قضية تتجاوز حدود الخلاف القانوني الفردي لتطرح أسئلة اقتصادية أوسع حول إدارة سوق القطع، وتنظيم حركة الأموال، ومدى قدرة القواعد الناظمة على التعامل مع واقع اقتصادي واجتماعي تغيّر بصورة كبيرة بعد التحرير.
أمام المركزي
و كان عدد من المتضرّرين نفّذوا قبل عدة أيام وقفة احتجاجية أمام مصرف سوريا المركزي، مطالبين بالنظر في أوضاعهم وإيجاد تسوية قانونية لملفاتهم، والإفراج عن الأموال المحتجزة.
وبحسب إفادات عدد ممن تواصلوا مع «الوطن»، فإن مدير في المصرف تواصل معهم هاتفياً، وطلب منهم الانتظار إلى حين نظر الحاكم في الموضوع، لكونه خارج البلاد حينها.
بينما يرى المحتجون أن التأخّر في الرد على مطالبهم يفاقم أوضاعهم، ولاسيما أنهم باتوا تحت المحاكمة، في حين أن استمرار الانتظار يعني، بحسب قولهم، بقاء أموالهم محتجزة ومصادر رزقهم وأعمالهم معلّقة.
تظلم بلا جواب
وكان عشرات الأشخاص، بحسب إفاداتهم، تقدّموا قبل عدة أسابيع بطلب تظلّم إلى حاكم مصرف سوريا المركزي، مطالبين بإيجاد صيغة لتسوية أوضاعهم والإفراج عن أموالهم المحتجزة، وإسقاط الحق الشخصي للمصرف مقابل تسديد مبالغ أو غرامات تؤول إلى الخزينة العامة، حيث يسمح القانون.
ويقول مقدّمو التظلّم: إنهم لم يتلقوا حتى الآن جواباً، معتبرين أن التأخّر في معالجة طلبهم يطيل فترة عدم حسم أوضاعهم القانونية والمالية، ويُبقي رؤوس أموال مرتبطة بأعمالهم خارج الدورة الاقتصادية.
قانون نافذ.. وواقع تغيّر
في المقابل فإن ملاحقة المخالفات المتعلّقة بسوق القطع تستند إلى نصوص قانونية نافذة، بينها المرسوم التشريعي رقم 6 لعام 2024، الذي يعاقب مزاولة الصرافة من دون ترخيص، وكذلك نقل أو تحويل الأموال إلى الخارج من دون ترخيص.
لكن عدداً من المتضرّرين يقولون: إن معظمهم كانوا يقيمون سابقاً في مناطق شمال البلاد ثم عادوا إلى مناطقهم بعد التحرير، ولم تكن لديهم معرفة كافية بالأنظمة والتعليمات التي كانت نافذة لدى مصرف سوريا المركزي.
ويؤكد بعضهم أن عمليات إخراج الدولار كانت مرتبطة بأغراض تجارية، كتمويل شراء بضائع أو توريدها، أو تبديل بعض الإصدارات النقدية وإعادتها إلى البلاد، وليست بهدف المضاربة أو تهريب الأموال.
وهذه الإفادات لا تحسم المسؤولية القانونية في أي ملف، إذ يبقى تحديد طبيعة المخالفة ومدى انطباق النص القانوني من اختصاص القضاء، لكنها في الوقت نفسه تفتح نقاشاً اقتصادياً حول كيفية التعامل مع حالات نشأت في ظروف مختلفة، ومدى الحاجة إلى توضيح أوسع للأنظمة الناظمة للتعامل بالقطع، بما ينسجم مع التحوّلات التي شهدتها البيئة الاقتصادية وحركة التجارة والأموال.
خارج دورة الاقتصاد
و حسب البيانات التي اطّلعت عليها “الوطن” فإن قيمة الأموال المحتجزة في مجموع هذه الملفات يصل إلى نحو 7 ملايين دولار، يقول أصحابها: إنها تمثّل مدّخراتهم ورؤوس أموالهم ومصادر دخل أسرهم.
وتكتسب قيمة الأموال أهمية اقتصادية إضافية، ليس فقط باعتبارها أموالاً محل نزاع أو احتجاز، وإنما لكون استمرار تجميدها، بحسب أصحابها، ينعكس على قدرتهم على تمويل أعمالهم والوفاء بالتزاماتهم التجارية وتحريك رؤوس أموالهم.
في المقابل، يرى المصرف، من موقعه القانوني، أن ضبط الصرافة والتحويلات غير المرخّصة يمثّل جزءاً من حماية سوق القطع والنظام المالي، ومنع التعاملات التي تتم خارج الأطر التنظيمية المعتمدة.
مطالب المُتظلّمين
وتتركز المطالب الحالية على معرفة مصير طلبات التظلم، وإمكانية إيجاد مسار قانوني لتسوية الحالات التي تسمح طبيعتها بذلك، إضافةً إلى تحديد مصير الأموال المحتجزة.
كما يطالب المتضرّرون بالنظر في أوضاعهم بصورة تراعي اختلاف الحالات وعدم التعامل معها جميعاً وفق صيغة واحدة، مؤكدين أن هدفهم الوصول إلى معالجة قانونية تنهي حالة الانتظار.
قيد الدراسة
وللتنويه، تواصلت «الوطن» مع مصرف سوريا المركزي للحصول على توضيح حول عدد الملفات، وحجم الأموال المحتجزة، وموقف المصرف من طلبات التظلّم، وإمكانية وجود أي إجراءات لمعالجة هذه الحالات.
وكان جواب المصرف المركزي أن الموضوع قانوني، وأن هناك فريقاً يعمل على دراسته ومعالجته.
وبين تطبيق النصوص القانونية النافذة، ومطالب متضرّرين يقولون إن ظروفهم تختلف من حالة إلى أخرى، يبقى الملف بانتظار إجابة رسمية توضح مصير التظلّمات والأموال المحتجزة، والمسار القانوني المتاح أمام أصحاب هذه القضايا.









