عادت “التكية السليمانية” في قلب العاصمة إلى الواجهة مجدّداً بعد أن تعرضت للخراب أيام النظام البائد، وقد افتتح قبل أيام مسجد “التكية” بعد 15 عاماً من إغلاقه، عقب استكمال أعمال الترميم والتأهيل، ضمن جهود الحفاظ على المعالم الدينية والتراثية وإحياء الإرث الحضاري لمدينة دمشق.
تُعد “التكية السليمانية” أكثر من مجرد معلم أثري، لتشكّل لوحة فنية ناطقة تجسّد ذروة الفن المعماري العثماني بلمسات شامية أصيلة، فمن قبابها الشامخة وأروقتها الواسعة إلى صحنها الذي يضج بعبق الحرف اليدوية، تحكي “التكية” قصة مجمع متكامل أُسّس لخدمة الإنسان والروح معاً.

أشهر المعالم العثمانية
تعد “التكية السليمانية”، أو “تكية السلطان سليم الأول” معلماً تاريخياً يقع في قلب العاصمة السورية دمشق، وقد بُنيت على مراحل في السنوات 1554-1559، بأمر السلطان “سليمان القانوني”، وتبلغ مساحتها نحو 11 ألف متر مربع، وتضم مسجدين ومتحفاً ومدرسة وسوقاً للمهن اليدوية، وهي من أشهر المعالم العثمانية في بلاد الشام، وأُقيمت على ضفاف نهر بردى بديلاً من “القصر الأبلق”، أو “قصر الظاهر بيبرس” الذي هُدم على يد “تيمورلنك”.
وأشرف المهندس التركي معمار سنان على بناء التكية ومعه المهندس الفارسي ملا آغا والدمشقي شهاب الدين أحمد بن العطار، حيث إنها بُنيت على نمط “التكية السليمانية” في “القسطنطينية”.
وأنشئت “التكية” لتكون مكاناً لتأدية الفروض الدينية واستراحة للحجاج، وجُهّزت بمطابخ واسعة ومخابز وغرف للاستراحة ومُصليات وبحرة للوضوء وغيرها من الخدمات الضرورية للمسلمين، وكانت مكاناً لإقامة طلبة العلوم الدينية وملاذاً للفقراء والمقطوعين.
بعد فرض الانتداب الفرنسي على سوريا سنة 1920 تحولت التكية إلى دار للمعلمين، فتوقفت عن استضافة النزلاء وإيواء الوافدين إليها، ومع افتتاح “الجامعة السورية” عام 1923 أصبح جزءٌ منها داراً لتدريس طب الأسنان، ثم مقراً لمطبعة مجلة “الشرطة”.
وفي أعقاب الحرب عام 1948 أمر رئيس الجمهورية آنذاك شكري القوتلي بفتحها مجدّداً لإيواء آلاف اللاجئين الفلسطينيين الوافدين إلى دمشق، فعادت إلى سابق عهدها، وعادت إليها حلقات العلم وتحفيظ القرآن الكريم.
وفي زمن الوحدة السورية المصرية سنة 1959، استُخدمت غرف “التكية” مقراً لمتحف دمشق الحربي، وفي منتصف سبعينيات القرن الماضي فتحت “التكية” أبوابها لأرباب المهن اليدوية الدمشقية العريقة مثل “البروكار” والحفر على الخشب وتطعيمه والصناعات الفضية والزجاج اليدوي وصناعة العاج والصدف وغيرها.

هندسة التكية
تبلغ مساحة التكية السليمانية أحد عشر ألف متر مربع، وتتألف من كتلتين معماريتين متصلتين متشابهتين، تحيط بهما أسوار منخفضة تخترقها ثلاثة أبواب، البوابتان الرئيستان في المحور الشرقي والغربي، وذلك تبعاً لطريق الحجاج ومجرى نهر بردى، أما البوابة الثالثة فصغيرة يتقدّمها رواق وتعلوه قبة مطلة على نهر بردى من جهة الشمال.
تضم الكتلة الجنوبية الكبرى مبنى التكية الرئيس والجامع والمطبخ والمستودعات، تتوسطها بركة مستطيلة تُغذّيها بالماء نوافير عمودية كانت تستخدم للوضوء، كُسيت بأحجار وردية اللون وسوداء متناوبة.
يقع في جنوبها جامع يمتاز بمئذنتين توءمتين رشيقتين منتهيتين بشكل مخروطي كأنهما مائلتان، وتعد بداية الانحراف عن طراز المآذن الدمشقية المعروفة.
واجهة الجامع مبنية من المداميك الأبيض والأسود المتناوب، والحرم مربّع الشكل يتميز بجمال قبّته ومنبره الذي يعتبر من روائع الفنون التطبيقية، مضافاً إليه جمال ألواح الخزف القيشاني التي تزيّن أعلى النوافذ، وتمثّل الورود والأزهار وتشابك سعف النخيل مع الأوراق النباتية.
في جانبي صحن المبنى أروقة مسقوفة على شكل قباب صغيرة ووراءها غرف كبيرة مسقوفة بقباب أكبر من القباب الأولى.
ويتوسّع صحن المبنى ليضم قسم الخدمات الذي يتوسطه المطبخ الذي تعلوه أربع قباب ذات فتحات للتهوية الضرورية، وتتصل بكل جانب من جانبي هذا المطبخ غرفتان مربعتا الشكل، يعلو كلاً منهما سقف هرمي مقطوع في أعلاه، جُعلت هاتان الغرفتان مستودعاً ومخبزاً، وجُعلت الغرفتان الأخريان للقيِّم على هذه المنشأة.
أما الكتلة الشرقية الصغرى فتصم المدرسة، وشُيّدت عام 1566 واستمرت أعمال البناء فيها حتى عام 1574، لها ثلاثة أبواب ثانوية، وباب رئيس واحد في الجهة الشمالية من المبنى يؤدي إلى صحن المدرسة الذي تتوسطه بحيرة تشبه بحيرة مبنى التكية السليمانية.
في جنوب هذه الكتلة مصلى المدرسة، مربع الشكل تعلوه قبة كبيرة وجميلة، تزيّنه ألواح الخزف القيشاني الجميلة، والنوافذ الجصية المطعّمة بألواح الزجاج الملوّن، وكانت القبة فوق رقبة مائلة وتتألف من اثني عشر ضلعاً وتخترقها اثنتا عشرة نافذة جصية ذات ألواح زجاجية ملوّنة.
وهناك اثنتا عشرة غرفة تتقدّمها الأروقة وتعلوها القباب وتتوزع على جنبات المبنى الأربع حول الصحن، وتقوم هذه الأروقة على أعمدة رشيقة وقصيرة، وتبلغ أبعاد كل غرفة 6 × 6 أمتار، ومساحتها 36 متراً مربعاً.
يصل بين الكتلتين سوقٌ كانت مخصّصة لقوافل الحجاج، ممتدة من أقصى شرقها إلى أقصى غربها مسافة خمسة وثمانين متراً، وترتصف على جانبيه عشرات المحال بقباب منخفضة تتقدّمها أروقة ظليلة بقناطر مزخرفة. كانت في السابق حوانيت تجارية، وتحوّلت منذ سبعينيات القرن العشرين إلى محال للحرف اليدوية.
تتضح الآثار الهندسية العثمانية على التخطيط والبناء، في حين تطغى اللمسة الفنية الدمشقية على تصاميم الأبواب والنوافذ والزخارف التي تزيّن جدران وغرف المكان.
في الجهة الجنوبية من “التكية” وعلى طرفي المسجد الرئيسي توجد مقبرة تحوي مدافن بعض السلاطين العثمانيين وعوائلهم، والتي لا تزال قائمة إلى الآن.
تشويه وتجريد
مع مطلع العام 2023، أنذرت وزارة السياحة في حكومة النظام البائد مستأجري “التكية السليمانية” لإخلاء محالهم وإغلاقها بشكل نهائي قبل بداية العام المقبل بغرض ترميم “التكية”، لكن الحكومة كانت قبل ذلك بثلاثة أعوام قد قامت بإغلاق أربعين متجراً في “التكية الصغرى”، قبل أن تستولي عام 2023 على المحال المئة في “التكية الكبرى” في سوق المهن اليدوية، لتكون جميع محال “التكية” تحت إشرافها.
وبعد فترة قصيرة، تبين أن مشروع الترميم تقوم به “الأمانة السورية للتنمية” لمالكتها أسماء الأسد التي قرّرت الهيمنة والاستيلاء على “التكية” وطرحها للاستثمار بعقد طويل الأمد لمصلحتها الشخصية.
زوجة الرئيس المخلوع لم تقم بالترميم بقدر ما شوّهت هذا المبنى الذي يحظى بمكانة مرموقة في قلوب أهل دمشق.
“الأمانة” أضافت إلى المبنى إنشاءات بيتونية ضخمة وأنشأت المطاعم والبارات وقصّت الأشجار المعمرة، فجرّدت المكان من أهميته وعراقته لكونه معلماً أثرياً ودينياً مهماً، وطمست هويته التاريخية وأزالت من الوجود مهناً وصناعات نادرة.
بين اليوم والأمس
اليوم، وبعد أن نفضت “التكية السليمانية” غبار سنوات الجور والتشويه، تثبت مجدّداً أن الحجارة الكريمة التي حفرها التاريخ لا تموت، وأن عودة الروح إلى هذا المعلم العريق انتصار للذاكرة الدمشقية الحية على كل محاولات الطمس والاستيلاء، لتظل “التكية”، رغماً عن كل جراح العبث، نافذة تطل منها دمشق على أمجادها، وشاهداً أبدياً على أن إرث الحضارة.









