Opens in a new tab
المزيد

‫آخر الأخبار:‬

التدريب المصرفي.. بوابة تحديث القطاع المالي

‫شارك على:‬
20

في ظل التحديات التي تواجه إعادة بناء القطاع المصرفي السوري، تبرز تنمية الكفاءات البشرية وتطوير الخبرات المهنية بوصفهما من المتطلبات الأساسية لتحديث المؤسسات المالية وتعزيز قدرتها على مواكبة المعايير والتحولات المصرفية الدولية ومن هذا المنطلق، تكتسب إعادة إطلاق مركز التدريب والتأهيل المصرفي في مصرف سورية المركزي أهمية تتجاوز الجانب التدريبي، لتشكل مدخلاً لبناء قطاع مصرفي أكثر كفاءة وقدرة على استعادة الثقة.

الخبير والباحث الاقتصادي الدكتور ناصر قيدبان يرى في حديثه لـ”الوطن”، أن إعادة إطلاق مركز التدريب والتأهيل المصرفي في مصرف سورية المركزي ليست مجرد خطوة إدارية أو إعادة تفعيل لمؤسسة تدريبية، بل خطوة استراتيجية ذات أهمية كبيرة في مرحلة إعادة بناء وتطوير القطاع المصرفي السوري، ويمكن النظر إليها باعتبارها أحد المداخل الأساسية لتحديث النظام المالي والمصرفي في سورية.

ويشير قيدبان إلى أن أهمية هذه الخطوة تتضح من عدة زوايا اقتصادية ومؤسسية واستراتيجية، في مقدمتها بناء الكفاءات قبل بناء المؤسسات، إذ إن تطوير القطاع المصرفي لا يتحقق فقط بتحديث الأنظمة والتشريعات أو إدخال التقنيات الحديثة، بل يبدأ بتأهيل العنصر البشري القادر على إدارة هذه التحولات.

فالقطاع المصرفي يحتاج اليوم إلى كوادر تمتلك مهارات متقدمة في إدارة المخاطر الائتمانية والتشغيلية، والرقابة والامتثال المصرفي، ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والحوكمة والشفافية، والأمن السيبراني والتحول الرقمي، وإدارة السيولة والاستثمارات، والتقنيات المالية والمدفوعات الإلكترونية، مضيفاً: ومن هنا تبرز أهمية المركز باعتباره مؤسسة وطنية متخصصة في بناء القدرات المصرفية، وليس مجرد جهة تقدم دورات تدريبية تقليدية.

استعادة الثقة ومواكبة التحولات العالمية

ويؤكد قيدبان أن الثقة هي رأس المال الحقيقي لأي نظام مصرفي، ولا يمكن استعادة ثقة الأفراد والشركات والمستثمرين بالمصارف من دون وجود كوادر مؤهلة، وأنظمة رقابية فعالة، وممارسات مهنية تتوافق مع المعايير المصرفية الدولية.

ويرى أن وجود مركز متخصص تحت مظلة المصرف المركزي يمكن أن يسهم في توحيد المفاهيم المهنية، ورفع مستوى الأداء، وتعزيز ثقافة الالتزام والشفافية داخل المؤسسات المصرفية.

وفي سياق مواكبة التحولات المصرفية العالمية، يلفت قيدبان إلى أن الصناعة المصرفية تشهد تحولات عميقة بفعل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية والمصارف الرقمية وأنظمة الدفع الإلكتروني، ولذلك يمكن أن يشكل المركز بوابة لنقل المعرفة المصرفية الحديثة إلى سورية، وتأهيل جيل جديد من القيادات المصرفية القادرة على التعامل مع هذه التحولات.

فرصة لنقل الخبرات

ويعتبر قيدبان أن الشراكة الدولية مع مؤسسة أكاديمية متخصصة، مثل جامعة فرانكفورت للتمويل والإدارة، تمثل فرصة مهمة للاستفادة من الخبرات والمناهج التعليمية والتدريبية المتقدمة في مجالات التمويل والمصارف والإدارة.

وتكمن القيمة الحقيقية لهذه الشراكة، حسب قيدبان، في إمكانية نقل المناهج والتجارب المصرفية المتقدمة، وتطوير برامج تدريبية وفق معايير دولية، وتأهيل مدربين سوريين وفق أساليب تدريب حديثة، وتوفير برامج وشهادات مهنية متخصصة، إلى جانب بناء شبكة علاقات أكاديمية ومصرفية دولية.

لكنه شدد على أن نجاح الشراكة لا يقاس بمجرد توقيع الاتفاقيات، وإنما بمدى انعكاسها على جودة التدريب وكفاءة العاملين ونتائج المؤسسات المصرفية.

متطلبات تحويل المركز إلى مشروع وطني مؤثر

ورأى قيدبان أن تحويل هذه المبادرة إلى مشروع وطني مؤثر يتطلب توفر مجموعة من الشروط الأساسية، في مقدمتها الاستقلالية المهنية، بحيث يمتلك المركز رؤية تدريبية متخصصة وبرامج مبنية على الاحتياجات الفعلية للقطاع المصرفي، إلى جانب الاعتمادية الدولية من خلال بناء شراكات مع جامعات ومعاهد مصرفية دولية والاستفادة من خبراتها في تطوير المناهج والشهادات المهنية.

كما يتطلب الأمر عدم الاقتصار على تدريب الموظفين، بل العمل على تأهيل القيادات المصرفية وإعدادها لإدارة التحولات المستقبلية، وربط التدريب بالتحديات الحقيقية التي تواجه المصارف السورية من خلال دراسات الحالة والمحاكاة والتطبيق العملي.

وأضاف: إن التحول الرقمي يستدعي إنشاء مسارات تدريبية متخصصة في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية والأمن السيبراني، بالتوازي مع وضع مؤشرات أداء تقيس أثر التدريب على جودة الخدمات المصرفية ومستوى الامتثال وإدارة المخاطر والإنتاجية.

وأكد قيدبان أن إعادة إطلاق مركز التدريب المصرفي تفتح المجال أمام بناء منظومة تعاون وطنية تجمع بين مصرف سوريا المركزي والجامعات السورية والمؤسسات الأكاديمية والتدريبية المتخصصة والخبراء والمستشارين المصرفيين، إلى جانب الجامعات والمعاهد الدولية.

وأكد أن من شأن هذا التعاون أن يوسع قاعدة الاستفادة من الخبرات الوطنية والدولية، ويتيح تصميم برامج متخصصة تلبي احتياجات القطاع المصرفي بمختلف مستوياته، كما أن توءمة المركز مع مؤسسات تدريب مصرفية دولية يمكن أن تنقله من مجرد مركز تدريب محلي إلى منصة وطنية وإقليمية لتطوير الكفاءات المالية والمصرفية.

نحو أكاديمية وطنية للقيادات المصرفية

وفي رؤيته الاستراتيجية، يعتقد قيدبان أن الأهمية الحقيقية لهذه الخطوة تكمن في أنها تعكس إدراكاً متزايداً بأن إعادة بناء القطاع المصرفي السوري لا تبدأ من المصارف وحدها، بل من الإنسان الذي يدير هذه المصارف، ومن المعرفة التي يستند إليها، ومن المعايير المهنية التي تحكم أداءه.

ورأى أن الطموح ينبغي ألا يتوقف عند إعادة تشغيل مركز التدريب، بل أن يتطور مستقبلاً ليصبح الأكاديمية الوطنية للقيادات والكفاءات المصرفية والمالية في سوريا، وأن يكون مرجعاً مهنياً لتأهيل العاملين في القطاع المالي والمصرفي، وربطهم بالتطورات والمعايير الدولية.

وخلص قيدبان إلى أن إعادة إطلاق مركز التدريب والتأهيل المصرفي في المركزي ليست مجرد استثمار في التدريب، بل استثمار في الثقة والاستقرار والنمو الاقتصادي، فالمصارف القوية لا تُبنى برؤوس الأموال وحدها، وإنما بالكفاءات التي تديرها، والمعرفة التي تحكم قراراتها، والحوكمة التي تضبط أداءها.