بعد عشر سنوات على الاستفتاء الذي أخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، يعود السؤال الذي بدا محسوماً إلى واجهة السياسة في لندن، هل كان الانفصال خياراً نهائياً، أم إن كلفته الاقتصادية والسياسية قد تدفع المملكة المتحدة إلى البحث عن طريق العودة؟، هذا الاحتمال بات مطروحاً بصورة أكثر وضوحاً مع تولّي آندي بيرنام رئاسة الحكومة، وإعلانه الاستعداد لمراجعة شكل العلاقة مع بروكسل، وصولاً إلى عدم استبعاد استعادة العضوية الكاملة.
وهذه المراجعة لا تنطلق من اعتبارات سياسية صرفة، بل من حصيلة تجربة الخروج التي لم تحقّق، وفق تقديرات اقتصادية، المكاسب التي وعد بها أنصار “بريكست”، وبهذا السياق أشار تحليل لـ”بلومبرغ إيكونوميكس” إلى أن الخروج ربما كلّف الاقتصاد البريطاني ما بين 2 و4 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، مع تقدير مركزي يبلغ 2.5 بالمئة.
لكن العودة، وفق ما يرى متابعون، ليست مساراً واحداً، فالخيارات المطروحة أمام بيرنام تتدرج من الإبقاء على الترتيبات الحالية، إلى الاتحاد الجمركي، ثم السوق الموحّدة، وصولاً إلى استعادة العضوية الكاملة، مع الأخذ في الاعتبار أن لكل مسار ثمنه السياسي والاقتصادي.
فالانضمام إلى السوق الموحّدة يتيح وصولاً أوسع إلى السوق الأوروبية، لكنه يرتبط بحرية حركة الأشخاص والالتزام بقواعد أوروبية مشتركة، أما الاتحاد الجمركي فيخفّف بعض الحواجز التجارية، لكنه لا يعيد لبريطانيا كامل مزايا العضوية، وتبقى العودة الكاملة الأكثر اتساعاً من حيث الحقوق والالتزامات، والأكثر تعقيداً من الناحية السياسية والقانونية.
وحسب المصادر المتابعة، فإن العقدة الرئيسة تكمن في الداخل البريطاني، إذ إن حزب العمال نفسه ليس موحّداً حيال فتح هذا الملف، ولا سيما أن عدداً من نوّابه يمثّلون دوائر صوّتت لمصلحة الخروج عام 2016، وفي الوقت ذاته يخشى معارضو التوجّه أن تتحول قضية الهجرة وحرية التنقّل إلى مادة انتخابية يستفيد منها نايجل فاراج وحزب الإصلاح.
ويلخص كريس هوبكنز، مدير الأبحاث السياسية في مؤسسة “سافانتا، هذه المعضلة بقوله: إن اعتبار فشل “بريكست”
في استطلاعات الرأي “لا يعني بالضرورة أن الجمهور يريد إعادة القضية إلى صدارة السياسة البريطانية”.
كذلك، لا تقل تحفّظات بروكسل عن الانقسامات البريطانية، فالاتحاد الأوروبي يريد ضمانات بأن أي اتفاق جديد لن يصبح رهينة تبدّل الحكومات في لندن، وبهذا الصدد، يشير تشارلز غرانت، مدير مركز الإصلاح الأوروبي، إلى أن العودة تحتاج إلى “نوع من التوافق الوطني”، محذّراً من أن دخول بريطانيا الاتحاد ثم خروجها مجدّداً مع كل تغيّر حكومي سيكون “كابوساً” للأوروبيين.
في سياق ذي صلة، فإن المفاوضات الجارية بشأن تنقّل الشباب والتجارة الزراعية والطاقة تمنح فرصة لاختبار التقارب قبل الانتقال إلى خيارات أكبر، ويأتي اجتماع القمة البريطانية الأوروبية في بروكسل في العشرين من الشهر الجاري محطة مهمة في هذا المسار.
والنتيجة التي توصّل إليها المحللون، وفق ما سبق، هي أنه بين الرغبة في تصحيح كلفة الانفصال والخشية من إعادة إنتاج الانقسام الذي رافقه، تبدو لندن أمام معادلة صعبة، تتلخص في كيفية استعادة مزايا العلاقة الأوروبية من دون أن تدفع البلاد إلى مواجهة سياسية جديدة.
أسرة التحرير








