ثقافة وفن

أعمال السيرة الذاتية في الدراما العربية … خلدون قتلان لـ«الوطن»: بعض المؤلفين يميلون إلى أنسنة الشخصيات.. وهناك من يبالغ في تقديمها

| محمد قاسم الساس

شهدت الساحة الدرامية التلفزيونية العربية خلال الآونة الأخيرة عرض العديد من المسلسلات التي تتناول السيرة الذاتية لبعض الشخصيات المشهورة من فنانين ومبدعين ورجال دين وسياسة ورموز تاريخية، إلا أن العديد من نقاد الدراما يرون أن هذه النوعية من المسلسلات لم تعد كسابق عهدها، تحظى باهتمام ومشاهدة كبيرين، وأرجع النقاد السبب إلى أن العديد من هذه المسلسلات يفتقر إلى الوعي الدرامي، ويقوم على السرعة في الإنتاج، على حساب الكيف والقيمة الفنية، ما يؤدي إلى تشويه الشخصية في العمل الدرامي، مؤكدين أن بعض المسلسلات التي تختص بالسيرة الذاتية، تطاردها الدعوات القضائية لوقف عرضها.

ومع ذلك نجد، بعض المنتجين يعلنون بين الحين والآخر عن نيّتهم رصد حياة أي من الرموز الفنية والسياسية والتاريخية والدينية في أعمال درامية تلفزيونية. ولكن، دَخلت هذه المشروعات، غالباً، طي النسيان بعد الأزمات الإنتاجية التي لاحقتها.

ما الذي نريده من مسلسل السيرة الذاتية؟ كمال تفاصيل القصة بسيئاتها وحسناتها؟ أو اختيار المهم منها، على اعتبار أنه من الصعوبة أن تلم 30 حلقة درامية بشخصية استحقت أن يكتب عنها مسلسل تلفزيوني؟‏

كثيراً ما أثارت المسلسلات التي تتناول سير الرموز الوطنية والقومية، والمشاهير والمبدعين، وشخصيات عامة في شتى الميادين، جدلاً واسعاً بين صناع الدراما من جهة، والنقاد والجمهور من جهة أخرى، وفي أحيان كثيرة يبدأ هذا الجدل حتى قبل الشروع في التصوير، وفي مرات كثيرة يرافق هذا الجدل القائم دعاوى قضائية تطالب بوقف بعض الأعمال التلفزيونية، على اعتبار أن هذه الأعمال تسيء إلى الشخصيات التي تتناولها، في حين كثر الحديث عن مدى مصداقية هذه الأعمال، وخاصةً أنها تجمل الشخصية التي تروي سيرة حياتها، وتركز على إيجابياتها فقط.

ولكن، في الوقت نفسه تعد مثل هذه الأعمال الدرامية وسيلة سهلة ومبسطة لعرض مجموعة كبيرة من المعلومات عن الشخصية، وخاصة في هذا العصر الذي أصبح كل شيء فيه يعتمد على السرعة، حتى إن الجميع لا يمتلكون الآن وقتاً للبحث عن المعلومة، ولكن في الوقت نفسه يجب ألا يكون الاعتماد على هذه الأعمال كلياً في الحصول على المعلومات، حتى لا تضيع أهمية اعتمادنا على القراءة، التي تعد المصدر الأكثر ثقة للاطلاع على أي شيء، وأن تحول هذه الأعمال الدرامية إلى أرشيفٍ كاملٍ تتعلم منه الأجيال القادمة، وتستقي معلوماتها عن شخصية ما هو أمر يعتبر خطراً، لأن هذه المعلومات قد يكون جزءٌ منها مغلوطاً وبعيداً عن الحقيقة، وخاصة تلك التي تعرض لمكاسب تجارية.

ويرى عدد من نقاد الدراما أن نجاح الممثل في تجسيد شخصية شهيرة يؤديها يرجع إلى ذكائه وطريقة تناوله للشخصية، وكيفية أدائه لها وطريقة تقمصها، هذا إلى جانب أضلاع المثلث الثلاثة التي تساعد على نجاح العمل وهي: المنتج والكاتب والمخرج.

«الوطن» التقت الكاتب والسيناريت «خلدون قتلان»، الذي تناول السبب الكامن وراء تحويل السير الذاتية لشخصيات مشهورة، لأعمال درامية تلفزيونية تروي حياتها للمشاهد، وإقبال المنتجين عليها، فأوضح أن: «السبب يكمن في ثراء تلك الشخصية التي يتم تقديمها من جديد للجمهور، الذي يؤمن مسبقاً بأهميتها، سواء على الصعيد الفني أم الديني أو السياسي، فتلك الشخوص تملك مسبقاً جمهورها الخاص، وبالتالي يضمن منتج العمل والمحطة العارضة نسبة عالية من المشاهدة».

وحول تقييم الأعمال الدرامية العربية التي تصنف تحت بند السيرة الذاتية، من حيث الإنتاج والنص والأداء التمثيلي والتقني والفني، أجاب قتلان: «لا نستطيع أن نطلق الأحكام بشكل عام على ذلك النوع من الأعمال الدرامية، فلكل عمل ظروفه الخاصة وحظوظه في النجاح، هنالك أعمال درامية شهدت نجاحاً منقطع النظير رغم ضعف إمكاناتها الإنتاجية والفنية، وهناك أعمال لم تحقق النجاح نفسه رغم حرص الشركات المنتجة على تقديمها بأفضل صورة، ويكمن السر في النص المكتوب وطريقة المؤلف في تقديم تلك الشخصية، ثم يأتي دور الشركة المنتجة في توفير الظرفين الفني والإنتاجي، ولكن نستطيع القول إنه تحت كل الظروف كانت هذه الأعمال تسوق بشكل جيد».

رغم كل الجدل الدائر حول هذا النوع من الدراما، يستمر المنتجون بالمجازفة والاستمرار في إنتاج مسلسلات السيرة الذاتية رغم التراجع في نجاح هذه النوعية من الأعمال الدرامية وإخفاق الكثير منها في تكوين قاعدة جماهيرية مستمرة لها، وتحقيق إيرادات عالية إلى جانب مشاكل الورثة والدعاوى القضائية التي تُرفع على العمل، لأن الورثة لا يجدون تطابقاً بينه وبين الواقع، وعلى النقيض نجد الدراما تشهد سباقاً شرساً بين الكثير من النجوم لتقديم هذه النوعية من الدراما.

وقد اتهم الكثير من هذه الأعمال الدرامية بأن فيها الكثير من تزييف الحقائق وعدم توخي الدقة الوثائقية لإعطاء نوع من الإقناع والمصداقية، كما أن كثيراً من هذه الأعمال لا يخلو من وجود أخطاء فنية وتاريخية كبيرة، فضلاً عن الأداء الضعيف للممثل الذي يؤدي الدور الأساسي في العمل، وعدم احترام بعض المنتجين لشروط الملكية الفكرية، والعودة إلى ذوي هؤلاء قبل الخوض في تفاصيل حياتهم. ‏

إن نجاح أعمال دراما السيرة الذاتية يتطلب في البدء الابتعاد عن الربح التجاري فقط، وعدم تغييب المعلومات الدقيقة، وعدم الاعتماد على روايات غير موثقة، من شأنها أن تسيء للشخصية أو ذويها، واحترام حقوق الملكية الفكرية الخاصة بالورثة، والاتفاق معهم عند كتابة القصة والسيناريو والحوار، والتأني في اختيار أبطال العمل، ما يليق بالشخصية التي يرغب فريق العمل في تقديمها، لإنجاز عمل فني يتوخى تقديم رؤية جمالية.

وعن الأعمال الدرامية العربية التي تعرضت لانتقادات واسعة، من أصحاب الأعمال أنفسهم في حال أنتجت على حياة عينهم، أو من أهل القصة ورفع دعاوى قضائية من الورثة، مع توجيه انتقادات حادة من النقاد والإعلام لها، إضافة إلى الجمهور والمعنيين، أجاب قتلان: «يرجع ذلك إلى عدم التنسيق بين المؤلف وبين أهل القصة، فدائماً هنالك حرص شديد من طرف الورثة على تقديم شخصيتهم كحالة خاصة تحيطها القداسة، على حين يميل بعض المؤلفين إلى أنسنة الشخصية، وهناك من يبالغ في تقديمها، وكأنها تعيش في عالم خيالي منفصل عن عالمنا، فيحدث هذا التباين في الرأي. والجمهور عادة يكون قد رسم مسبقاً ملامح الشخصية في رأسه، وفي كثير من الأحيان يصاب بخيبة الأمل، فهو يتوقع أن يرى تلك الشخصية كما يحب أن يراها، لا كما قدمها العمل».

وعن ظهور مجموعة كبيرة من الأعمال الدرامية التي تقدم سيراً ذاتية بأساليب مختلفة، تنوعت بين الجيدة والرديئة. وعن الشخصيات الأفضل لتحويل سيرتها الذاتية لعمل درامي تلفزيوني، وتلك التي يفضل تجنبها أوضح قتلان: «الشخصيات الأفضل هي تلك الشخصيات التي لا وارث لها، وهنا تأتي براعة الكاتب في نسج خيوط القصة كما يراها من الناحية النفسية والاجتماعية، على حين يفضل تجنب الشخصيات التي تحتاج إلى موافقة الورثة للبدء بكتابة النص، وخاصة الشخصيات السياسية».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن