تعرّفنا على كرة القدم ونحن صغار على أنها لعبة بسيطة كنا نمارسها في الحارات الضيقة والزواريب وبعض الساحات الأكبر، ومن ثم الملاعب الترابية قبل أن نتعرّف عليها كمتابعين على الملاعب الرسمية العشبية والتارتان كمشاهدين ومتابعين شخصياً أو تلفزيونياً فيما بعد، وانتقلتا شيئاً فشيئاً لتتسع مدارك حواسنا فجذبتنا اللعبة بكل مفاصلها، وقد جذبنا فيها التنافس والبساطة رغم أنها تعتمد بالأساس على المال، بدايةً من التجهيزات وانتهاءً بالأسعار الباهظة للنجوم.
اليوم باتت كرة القدم مكلفة حتى للمشاهدين العاديين، فقد تحوّلت إلى تجارة وأرقام وباتت لغة السوق والأرباح هي الشغل الشاغل للقائمين عليها، فهم حسب رؤيتهم يقدّمون المتعة، ولابدّ من أن ينالوا المقابل، ولو من الفقراء أو الأغنياء، وهاهو الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) الذي يعد أقوى من الأمم المتحدة برمتها يعمل على مشروع جديد لتحويل أهم مسابقات الفيفا (كأس العالم وكأس العالم للأندية وكأس العالم للسيدات) إلى مشروع تجاري أكثر مما هو عليه.
باختصار المشروع يقضي ببيع حقوق أهم بطولات الفيفا لشركة خاصة مقابل مبلغ مادي كبير، بحيث تتولى هذه الشركة (فيفا فراورد إنتر برايز) الإشراف على هذه البطولات ويمكنها بيع جزء من هذه الحقوق لشركات خاصة أخرى، والقيمة السوقية لهذه الشركة المزمع تأسيسها أو إعادة تأهيلها نحو 20 مليار دولار، والمبلغ المزمع الاستفادة منه يناهز 4.5 مليارات دولار مع احتفاظ الفيفا بالأغلبية، والاحتفاظ بالهيمنة على القرارات المتعلّقة بهذه المسابقات من الناحية الرياضية والإدارية، ولكي يمرر الفيفا هذا المشروع فقد عرض مكافآت مالية على الاتحادات الوطنية تبدأ من 8 ملايين دولار وتصل بعد 10 سنوات إلى ما يقرب من 40 مليون دولار، وذلك كمساعدة لتنفيذ هذه الاتحادات مشاريعها الخاصة لرفع سوية اللعبة.
فورَ تسريب هذا المشروع عبر وسائل الإعلام العالمية شن الاتحاد الأوروبي (يويفا) هجوماً شرساً على الفيفا ومخطّطاته، وعلى المشروع برمته.
وجاء على لسان بعض المسؤولين من اليويفا تهديد مباشر بالانسحاب من بطولات الفيفا في حال تنفيذه، ولم يتوقف الأمر عند مسؤولي اليويفا بل امتد لرجال السياسة في بعض البلدان، وذلك وسط اتهامات بالفساد لرجال الفيفا وكل من يحاول تمرير هذا المشروع، ذلك أن حدوثه سيؤدي إلى فوضى عارمة.
أول التحوّلات المتوقّعة لهذا القرار أو هذا المشروع الذي مُنحت الاتحادات الوطنية مهلة أقل من شهرين للرد عليه والموافقة (بالطبع)، سيكون توسيع رقعة هذه البطولات من حيث عدد المشاركين، وبالتالي لجهة التواريخ وربما محاولة إقامتها كل سنتين، وذلك من أجل زيادة الإيرادات وأرباح الشركات الراعية وزيادة في زحمة الأجندات الكروية التي يشتكي منها الجميع بالأساس.
الاتحاد الأوروبي الذي رفض قبل سنوات دوري السوبر الأوروبي من أجل الحد من هيمنة الأندية الكبيرة يسعى بكل قوة لرفض هذا المشروع، ذلك أنه يشكّل قوة ضغط كبيرة، وبالمقابل جاء ردّ فعل الاتحاد الإفريقي عبر رئيسه بأنه ستتم دراسة المشروع وذلك عبر الاتحادات المحلية في القارة السمراء ومن ثم الردّ بما تراه الأغلبية.
بعض المصادر تهاجم رئيس الفيفا إنفانتينو وتتهمه بابتزاز الاتحادات الوطنية لأنه مستفيد بشكل أو آخر من هذا المشروع، وأوردت دلائل على هذا الأمر، على حين يدافع الرئيس السويسري عن مشروعه باعتباره لزيادة شعبية وربحية كرة القدم، بينما اعتبرت بعض الشخصيات أن المشروع يسهم في هدم اللعبة، بل إن بعض الشخصيات الكروية وصفت بما يحدث بـ”القنبلة النووية”، ووصف آخرون إنفانتينو بالجنون وأفكاره بالهدّامة.
هل ينجح مشروع إنفانتينو أم إن الاتحادات القارية ستقف حائلاً؟! الأمر يحتاج إلى موافقة أغلبية من أصل 211 اتحاد كروي في العالم، وبانتظار الأيام القادمة سنشهد أياماً فاصلة في مسيرة كرة القدم حول العالم.






