شهدت الآونة الأخيرة إجماعاً شعبياً معترضاً على تسعيرة الكهرباء التي جاءت صاعقة لقدرة الشريحة الأكبر من الشعب على تسديد الحد الأدنى من الاستهلاك الضروري للأسرة.
يبدو أن الفريق الحكومي في هذه المرحلة ليس لديه أدنى خبرة في محاكاة الأمن الإجتماعي عندما أقر تلك الأسعار، مما يهدد ببدء تآكل مكتسبات الثورة من خلال استغلال وجع الناس من فلول النظام البائد.
إن الأسطوانة المشروخة التي يسعى البعض لاستغلالها مدعياً أن كل من يطالب بحقه هو ضد الدولة والنظام السياسي الجديد هي محاولات أصبحت ممجوجة، لأن أصحاب المعاناة الحقيقية من رفع أسعار الكهرباء هم بالدرجة الأولى العمود الفقري للثورة، وظهور بعض الأصوات التي لا علاقة لها بسياسة قيادة الرأي العام لن يرهب رب الأسرة الذي أعيته الحيلة لتدبير موارد معيشته في ضوء محدودية الدخل وتعاظم المطالب.

أمام هذا الواقع المرير تحتاج البلاد إلى عقول خبيرة باردة تفكر بمنطق الدولة وليس بمنطق الثورة.
اليوم على الحكومة وبشكل عاجل تشكيل فريق عمل يشارك فيه أصحاب القرار من وزارات المالية والطاقة والصناعة واتحادي العمال والفلاحين، يتولى دراسة المنعكسات الاجتماعية والاقتصادية لقرار سعر الكهرباء آخذين بالحسبان الحد الأدنى للأجور وتكاليف التصنيع الوطني، وتوافر حوامل الطاقة المجانية من غاز ونفط وكهرباء من السدود التي تحققت بعد التحرير ، وكذلك كميات الغاز المجانية التي تعهدت قطر بتسديد قيمتها لأذربيجان وهي ستة ملايين متر مكعب يومياً. يجب أن نصارح الشعب أن كل هذه الموارد أصبحت مجانية تماماً، اللهم إلا من تكاليف تشغيلها من رواتب ونفقات بسيطة وهذه أصلاً كانت تدفع ولم تتوقف يوماً ما.
لدينا إمكانية بواقع التوليد والشبكة الحالي من دون أي تطوير أو تجديد لتوليد أكثر من خمسة آلاف ميغا واط في حال توفر الغاز والفيول (وقد توفر الآن) وهذا الإنتاج يشكل بحدود ٨٠ بالمئة من حاجة البلاد لتغذية ٢٠ ساعة يومياً.
إن الاستمرار في التمسك برفع سعر الكهرباء من دون رفع الرواتب بنسبة ثمانمئة بالمئة كنسبة زيادة الكهرباء كحد أدنى وتأهيل الشبكة وخاصة الفرعية والمنزلية منها، لن يحقق الغاية المرجوة من رفع التسعيرة.
لأن أكثر من ٩٠ بالمئة من المستهلكين لن يسددوا الفواتير، ليس لأنهم لا يريدون، بل لأن كامل رواتبهم لا تغطي قيمة الفاتورة وبالتالي – فاقد الشيء لا يعطيه – الأمر الأهم والأخطر أن نسبة الفاقد التجاري من الشبكة سيصل إلى أكثر من ٧٠ بالمئة نتيجة السرقة وهي متاحة وسهلة ووزارة الطاقة عاجزة عن ضبطها لأسباب فنية وإدارية واجتماعية لسنا بصدد تفصيلها.
إذاً لن تحصل الحكومة على ما تريده من سعر للكهرباء لأن الناس لن تسدد، وستخسر الشبكة نتيجة الاستجرار المخالف الذي سيؤدي لاحتراق آلاف المحولات، والأهم من ذلك لن تقدم وزارة الطاقة على إلغاء العدادات لمئات آلاف المشتركين الذين أخذوا قرارهم بعدم الدفع، ولن تتمكن كذلك من إحالة مئات آلاف المشتركين إلى القضاء تنفيذاً لقانون استثمار الطاقة، لأن نتيجة ذلك معروفة سلفاً في الشارع، الذي لا يجوز أن ندفع الناس لاستخدامه لاستعادة حقوقهم، لأن نتيجته لا يمكن أن نضمن أنها ستكون إيجابية.
أخيراً:
لابد أن يعرف المسؤولون أن “جز صوف الكباش خير من سلخ جلود الحملان”.
فأملاك الأوقاف، وأملاك الدولة العقارية منها والاسمية ورسوم السيارات الفارهة وغيرها من سلع الترفيه، لو استثمرت بما يرضي الله والقانون لحققت إيرادات تكفي لمنح المواطنين جميعاً الغاز والمازوت والبنزين والكهرباء والخبز مجاناً لعشرات السنين، فهناك عقارات في وسط دمشق يدفع شاغلوها ليرة وااااحدة عن المتر المربع الواحد سنوياً، وسيارات قيمتها مئتا ألف دولار ورسومها ألفان وخمسمئة دولار فقط.
النتيجة أن” الأيدي المرتجفة لا تبني وطناً”.








