أكد الدكتور عبد الرحمن محمد أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد في جامعة حماة أن الثقة في القطاع المالي تمثل حجر الزاوية لاستقرار الاقتصاد السوري، وهي الفكرة التي أكدها مؤخرا حاكم المركزي
وقال في حديثه للوطن: على الرغم من أهمية هذا المبدأ وخطوات الإصلاح الطموحة التي يشهدها النظام المالي بعد رفع العقوبات، إلا أن تطبيقه عمليا يواجه تحديا كبيرا يتمثل في سياسة حبس السيولة المستمرة وتوزيع العملة الجديدة، ما يخلق حالة من التناقض بين خطاب تعزيز الثقة والواقع المعيشي للمواطنين والمؤسسات.
واعتبر أستاذ المصارف أن تصريح الحاكم يأتي في سياق مرحلة انتقالية حرجة، حيث يسعى البلد إلى إعادة بناء نظامه المالي بعد سنوات من الحرب والعزلة. وتشمل خطط الإصلاح إعادة الاتصال بشبكة سويفت العالمية، وإعادة تأسيس علاقات المراسلة المصرفية، ومواءمة التشريعات مع المعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وبالفعل، فإن رفع العقوبات (بما في ذلك إلغاء قانون قيصر) يمثل “محطة مفصلية” لتعافي الاقتصاد والاستقرار النقدي.

حبس السيولة وتداعياته على الثقة
ويرى محمد أنه وعلى النقيض من خطاب تعزيز الثقة، تستمر سياسة حبس السيولة أو تجفيفها كأداة نقدية بارزة. موضحا أن هذه السياسة تهدف إلى السيطرة على المعروض النقدي، ما قد يؤدي إلى استقرار مؤقت لسعر صرف الليرة، وتتضمن هذه السياسة قيودا مثل تحديد سقف أسبوعي للسحب النقدي، ما يضرب القدرة الشرائية للأفراد ويعطل العمليات اليومية للشركات.
ولفت إلى أن هذه السياسة، رغم مبرراتها قصيرة الأجل، تنطوي على مخاطر جوهرية تُضعف بالضبط الثقة التي يسعى المركزي لبنائها، فهي تقيد النشاط الاقتصادي، وتحول المصارف من وسيط فاعل في تخصيص الائتمان إلى مجرد أداة سلبية، ما يفاقم الركود ويدفع بالمعاملات نحو القنوات غير الرسمية، مضيفا: وإذا لم يقترن الاستقرار الاسمي للصرف بتحسين السيولة وتوسيع الائتمان، فإن الثقة ستظل هشة.
إطلاق العملة الجديدة: بين الأهداف والواقع
نوه محمد بأن إصدار العملة الجديدة (بست فئات جديدة وحذف صفرين) يمثل خطوة رمزية وتقنية لتبسيط المعاملات واستعادة الهوية النقدية، وقال: ومع ذلك، وبعد مرور أكثر من شهر على الإطلاق، يلاحظ المواطنون نقصا واضحا في تداول فئات مثل التوتة والبرتقالة (الفئات المتوسطة والصغيرة).
وقال: بصراحة هذا الغياب يثير تساؤلات خطيرة حول أسباب النقص هل هو بسبب سوء توزيع أو نقص في الكميات المطبوعة، أم بسبب حبس مقصود للسيولة؟، أم يعود إلى تخزين المضاربين (حيتان سحبو العملة الجديدة للخارج، ليتمكنوا من اللعب بسعر الصرف وبقوة) لهذه الفئات لتضخيم ندرتها؟
ويرى محمد أنه تواجه العملة الجديدة مأزقا جديا فالفرضية الأساسية لإعادة التسمية (حذف الأصفار) هي تبسيط المعاملات وتعزيز الثقة، لكن عدم تدفق الفئات الأصغر بالسرعة والكمية الكافيتين يُفشل هذا الهدف، ويخلق إحباطا مجتمعيا، ويثير شكوكا حول قدرة السلطات النقدية على إدارة العملية، وهذا التوزيع غير المتوازن يغذي السوق الموازي ويهدد بتآكل أي مكاسب رمزية كان من المفترض تحقيقها.
التحديات الهيكلية والأخطار المستقبلية
ولفت محمد إلى أن خبراء الاقتصاد يتفقون على أن العقبات الأساسية تتجاوز مسألة العملة لتشمل هشاشة البنية التحتية المصرفية وضعف الالتزام بالمعايير الدولية، ما يجعلها غير جاهزة للتعامل الكامل مع العالم، إلى جانب خطر تحويل الاقتصاد إلى اقتصاد ريعي (النفط، والعقارات) على حساب القطاعات الإنتاجية، مع تدفق المستوردات التي قد تُفقد الإنتاج المحلي قدرته التنافسية، ناهيك عن استمرار ضعف الشفافية والحوكمة الفاعلة، ما ينذر بإعادة إنتاج نظام رأسمالية المحاسيب.
وختم بالقول: يشكل تصريح الحاكم نقطة مرجعية مهمة تؤكد أن الثقة هي رأس مال غير ملموس، لكنه أساسي لأي تعافٍ اقتصادي حقيقي، ومع ذلك، فإن استمرار سياسات انكماش السيولة، والتوزيع البطيء والمحدود للعملة الجديدة، يعملان ضد هذا الهدف.
فالثقة لا تُبنى بالتصريحات وحدها، بل تتحقق بالممارسة العملية من خلال توفير سيولة كافية، وتسهيل الائتمان المنتج، وضمان تدفق نقدي سلس يلبي حاجة الأفراد والشركات. وإن التوازن الدقيق بين ضبط التضخم وتحفيز النشاط الاقتصادي هو التحدي الأكبر الذي يواجه السياسة النقدية السورية في هذه المرحلة الحرجة، ويجب أن تكون الخطوة التالية نقلة استراتيجية من التركيز على استقرار سعر الصرف بمعزل عن السياق الاقتصادي الأوسع، إلى سياسة نقدية شاملة تعيد ضخ السيولة الموجهة نحو القطاعات الإنتاجية، وتعالج أزمة توزيع العملة الجديدة بشفافية، وتبني الثقة عبر التغذية الراجعة العملية للمواطن، وليس من خلال الخطاب النظري فقط.
وأكد حاكم مصرف سورية المركزي عبد القادر حصرية في منشور له عبر حسابه الشخصي على فيسبوك أن الثقة في القطاع المالي هي حجر الزاوية لاستقرار الاقتصاد بشكل عام. إذا كانت المؤسسات المالية تعمل بشفافية مسؤولة، فإنها لا تسهم فقط في تعزيز الثقة في القطاع المالي، بل أيضا تدعم استقرار الاقتصاد وتشجع على الاستثمارات والنمو. قيمنا وسياساتنا واستراتيجيتنا وما نضعه من أنظمة وما نتخذه من قرارات تهدف إلى تعزيز هذه الثقة اليوم، نحتاج إلى تعاون جماعي من جميع الأطراف: المصرف المركزي، الشركات والأعمال والأفراد والقطاع المالي من أجل استعادة الثقة في النظام المالي وتحقيق بيئة اقتصادية أكثر استدامة وشفافية. فالاقتصادات القوية لا تقوم إلا على الثقة المتبادلة، والتي تبدأ من المؤسسات المالية التي تضع مصلحة الأفراد والمجتمعات في أولوياتها.
الوطن








