تابعتُ ما ذكره فخامة الرئيس أحمد الشرع في لقائه الأخير مع الإعلاميين والصحفيين حول مسألة حرية الرأي والتعبير، فاستوقفني حديثه عند نقطة دقيقة كثيراً ما يغفلها الناس: الفرق بين حرية الرأي والإساءة باسم حرية الرأي.
إن حرية التعبير من أعظم القيم التي تحتاجها المجتمعات الحية؛ فهي التي تفتح أبواب النقاش، وتسمح بتبادل الأفكار، وتمنح العقول مساحة للنقد والمراجعة. لكن المشكلة لا تكمن في الحرية نفسها، بل في سوء فهمها، فحين تتحول الحرية إلى مبرر للتجريح، أو إلى منصة للتشهير، أو إلى وسيلة لنشر الفوضى في الخطاب العام، فإنها تفقد معناها الحقيقي.
الحرية في جوهرها ليست انفلاتاً، بل مسؤولية. هي قدرة الإنسان على أن يقول ما يراه حقاً، لكن في إطار من الوعي والإنصاف واحترام الآخرين. ولذلك فإن المجتمعات الناضجة لا تقيس الحرية بعلوّ الصوت أو قسوة الكلمات، بل بقدرتها على إدارة الاختلاف من دون أن يتحول إلى خصومة أو إساءة.

ولعل الإشكال الذي نراه اليوم في كثير من النقاشات العامة هو أن البعض يظن أن مجرد امتلاكه رأياً يمنحه الحق في أن يقوله بأي طريقة كانت. بينما الحقيقة أن طريقة التعبير عن الرأي لا تقل أهمية عن الرأي نفسه. فالكلمة قد تكون جسراً للفهم، وقد تكون معولاً للهدم.
إن بناء فضاءٍ صحي لحرية التعبير لا يتحقق بمجرد فتح المنابر، بل يحتاج إلى ثقافة عامة تدرك أن الكلمة أمانة، وأن الاختلاف لا يعني الخصومة، وأن النقد الصادق يهدف إلى الإصلاح لا إلى الإساءة.
لهذا بدت الإشارة إلى هذا المعنى في ذلك اللقاء لافتة، لأنها تذكّر بحقيقة بسيطة:
حرية الرأي لا تكتمل إلا بحريةٍ مسؤولة… تعرف حدودها كما تعرف قيمتها، فالمجتمعات لا تُبنى بالصمت، لكنها أيضاً لا تُبنى بالفوضى. وإنما تُبنى بكلمةٍ حرة… تقول الحق، وتحفظ الكرامة، وتفتح باب الإصلاح.






