في اقتصاد يعيش على حافة الحساسية العالية تجاه المعلومة لا يعود ضعف التواصل بين مصرف سورية المركزي والإعلام مسألة شكلية بل يتحول الى عامل مؤثر في الاستقرار النقدي والسلوك الاقتصادي العام.
المشكلة لم تعد في ندرة التصريحات بل في طبيعتها واتجاهها حيث يقتصر الحضور الإعلامي على إطلالات للحاكم أو بيانات رسمية جامدة أو منشورات عبر منصات رقمية لا ترقى الى مستوى قناة تواصل مؤسساتية مستدامة، هذا النمط يترك فراغاً معلوماتياً سرعان ما تملؤه الشائعات والتفسيرات المتضاربة خاصة في بيئة رقمية تتسارع فيها الأخبار غير الموثقة.
ما جرى مؤخراً في قضية الحوالات الخارجية يعكس بوضوح هذا الخلل حيث جرى تداول تعميم منسوب لإحدى شركات الصرافة حول تسليم الحوالات بالليرة السورية حصراً ثم تم تداول نفي لذلك ليعود المركزي لاحقاً ويؤكد مضموناً قريباً من ذلك في سياق مختلف.

هذه الحلقة من التضارب لا تضر فقط بسمعة القرار بل تزيد من ارتباك السوق وتعمق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسة النقدية.
في غياب قنوات اتصال واضحة يجد الإعلام المحلي نفسه أمام معضلة مهنية، هل يتعامل مع ما ينشر على وسائل التواصل باعتباره مؤشراً يستحق المتابعة أو يتجاهله بانتظار تأكيد رسمي قد يتأخر أو لا يأتي.
هنا يصبح الإعلام بين خيارين أحلاهما مر، إما المخاطرة بنشر معلومات غير مؤكدة وإما خسارة السبق والقدرة على تفسير ما يحدث.
المطلوب اليوم ليس زيادة عدد التصريحات بل بناء منظومة تواصل حديثة قائمة على الشفافية والاستباقية، وهذا يبدأ بإنشاء وحدة إعلامية فاعلة داخل المصرف تكون مسؤولة عن التوضيح الفوري والتفاعل مع الاستفسارات وتقديم إحاطات دورية للإعلاميين المتخصصين، كما أن فتح قنوات شراكة مع الصحفيين الاقتصاديين لم يعد ترفاً بل ضرورة لضبط السردية الاقتصادية ومنع التشويش.
الإعلام بدوره مطالب برفع معايير التحقق وعدم الانجرار وراء السبق على حساب الدقة، لكن هذا الدور لا يمكن أن ينجح من دون شريك مؤسساتي واضح يقدم المعلومة في وقتها ويضع حداً لازدواجية الرسائل.
في المحصلة لا يمكن فصل استقرار الليرة عن استقرار المعلومة ولا يمكن بناء ثقة نقدية من دون ثقة إعلامية، وما لم يدرك المصرف المركزي أن إدارة التوقعات تبدأ من إدارة الخطاب الإعلامي سيبقى السوق عرضة لاهتزازات مصدرها كلمة غير دقيقة أو توضيح متأخر.






