يُدرك المُتابع لسيولة الحديث الشعبي أو النخبوي السوري، سواء عبر وسائط التواصل الاجتماعي، أو مختلف المنصات السورية. إن رغبة العمل والتحرك باتت أكبر من الاكتفاء بالحديث أو التنظير. وبل إن المجتمعات السورية تشهد تحولاً عميقاً؛ لإعادة بناء مستقبلها ورسم ملامحها. وإذا كانت الصراعات السياسية، والعسكرية، وغياب التوافق حول مستقبل البلاد، وشكل الدولة ونظام الحكم، وهويّة الدولة…هي أبرز العراقيل أمام أي استقرار مجتمعي.
فإن أهم وأعمق ما لا يتم الحديث حوله، وإن كانت هي الأخرى مُرتبطة بشكل أو بأخر بالعقبات السابقة، هي قضايا تنمية المجتمعات المحلية كاستراتيجية حيوية، لبناء مجتمع مستدام ومستقل، وقادر على الازدهار أمام سيولة التحديات. كما إنها، ووفقاً ما درجت عليه العادة، أن تُشكل -قضايا التنمية-وحواملها من منظمات المجتمع المدني، وعموم المنظمات غير الحكومية، ضاغطاً مُربكاً لعمل السلطات، خاصة وأن من أعمق مهام المجتمع المدني هو مراقبة عمل السلطة، وتقييم الخدمات والأداء العام لها، خارج سياقات التشبيك التنظيمي لمؤسسات الحكومة. وهذه كفيلة بخلق فجوة بين الطرفين، إذا كانت السلطة لا ترغب بالكشف عما لا ترغب به.
هذا النهج المُركز على المشاركة الشعبية، واستغلال الموارد المحلية وبناء القدرات، وتحفيز القواعد الاجتماعية على المشاركة والمساءلة والمحاسبة، وتمكينهم من تولي مسؤوليات التنمية بأنفسهم، عبر تعزيز التماسك الاجتماعي، والفرص الاقتصادية، والتركيز على قضايا البيئة والمناخ والزراعة، كأبرز القطاعات الغائبة من الاهتمام بها، كُلها تدخل ضمن خانة تنمية المجتمعات المحلية، وتجاوز تداعيات النزاع.

أهمية التنمية لمرحلة ما بعد النزاع
المجتمعات السورية حالياً، مُمزقة وتعاني من الخلل في تمثيلها الحوكمي، وخلل في علاقاتها مع بعضها البعض، ومع السلطة ايضاً، وهو ما ينعكس على تمتين النسيج الاجتماعي. وفي ظل غياب التنمية الواسعة للمجتمعات المحلية، فإنها تنعكس سلباً على قضايا إعادة بناء البنية التحتية، التعافي النمو. في حين إن منح المنظمات غير الحكومية أدواراُ فاعلة تفعيلها لمبادرات التنمية، يُمكنها أن تُسهم في استعادة الثقة، وتعزيز التماسك المجتمعي بين السكان، ورأب الصدع الناتج عن أكثر من عقد على النزاع. سيسهم في التمكين الاقتصادي، وهذه ستصطدم بعقبة، غياب أو درجات كبيرة للشفافية في آليات التصرف بالموارد والثروات المحلية.
والحديث عن التنمية سيبقى ناقصاً، مع غياب تمكين الأفراد وإهمال التدريب والتعليم، وتنمية المهارات والمعارف. وخلال السنوات السابقة، فإن واحدة من نقاط التفوق لمنظمات المجتمع المدني، على مؤسسات الدولة، كانت بحثها الدائم عن قضايا الاستدامة، وصحيح إنها فكرة وطلب من الجهات المانحة، لكنها خدمت تنمية المجتمعات المحلية، وركزت على حماية الموارد الطبيعية، وسعت لضمان الاستمرار طويل المدى لمختلف المشاريع.
ولعل أهم وابرز ما قامت به، وما يتوجب الاستدامة عليه، هي قضايا الشفاء النفسي والاجتماعي، ودراسة الحالة…إلخ. والتي يعاني منها غالبية الشعب السوري وفق تقارير غير رسمية، وهذا الدعم النفسي والعاطفي، هو مطلب مُلح للتأقلم مع الصدمة والنزاع. وكل ذلك يتطلب نهجاً تعاقبياً متواصلاً شاملاً لمختلف الجوانب من صحة وتعليم وبنية تحتية…إلخ
أبرز البرامج المطلوبة للتنمية المستدامة
الواضح أن سوريا تحتاج إلى بناء برامج لتشجيع وتنمية المبادرات المجتمعية. فهي من دول ما بعد الصراع والنزاع، وتحتاج إلى حلول فورية لتلبية الاحتياجات، وإرساء مرونة طويلة الأمد. وعلى اعتبار أن الزراعة هي أبرز الصناعات المجتمعية فإنها أبرز المشاريع التنموية التي تحتاج إلى نهج تعاقبي مُستدام، يوازيها مشاريع الحوار المجتمعي حول هويّة الدولة وشكلها ونظام حكمها.
-إن مشارع الزراعة والبيئة، تُساعد في ضبط إيقاع حركة الاكسجين والهواء النظيف، وإنقاذ الأمن الغذائي من الانهيار، خاصة وإنه من اساسيات الأمن الوطني في أيّ دولة. واليوم تحتوي سوريا على مساحات شاسعة غير مستعملة، يُمكن تحويلها إلى مزارع وحدائق إنتاجية، ستوفر موارد مالية، ومنتجات طازجة للأهالي، تسد جزء من الحاجة، وتقلل تلبية الاحتياجات عبر الاعتماد الخارجي.
-الغالبية العظمى من البنية التحتية السورية مُدمرة. ولا تنفصل الرفاعية عن وضع الطرق وتوفر المياه والكهرباء، ومكب النفايات، والطبية منها على وجه الخصوص؛ لما لها من أهمية الوصول إلى الخدمات الأساسية، وتشجيع النمو التجاري والاقتصادي.
-المساعدة في تطوير ودعم المبادرات المجتمعية
أبرز ما أشتغل عليه النظام السابق، كان قطع الطريق أمام ايّ تعاطف أو تعاضد بين المكونات السورية. وفي الوقت الذي لم تكن التعددية السياسية والهويّاتية والقومية مُشكلة بحد ذاتها، فإن النظام حولها إلى أدوات توظيف لإدارة الصراع بينها. وجوهر العمل المدني اليوم، يتجلى في كسر تلك التابوهات، وتعزيز التماسك والحوار والمبادرات؛ لتحقيق أقصى تأثير.
-تعزيز مفهوم التطوع: لدينا مشكلة في فهم أهمية وواجب العمل المدني. وكإن القضية تتعلق بكتلة الرواتب فحسب. الكثير منا يملك وقتاً للفراغ، بعد الراحة وتلبية احتياجات المنزل والأهل والأطفال. لكن أيضاً بالإمكان التفرغ ولو ببضع ساعات شهرياً من الوقت والمهارات، والمساهمة في التخطيط والتنفيذ والتقييم، وتبادل المعرفة، حول التحديدات التي تواجه مجتمعاتهم، وبالتالي تصميم حلول تناسب السياقات المحددة.
أبرز أربع قضايا مُلحة
على النخب السورية القيام بها هي: تعبئة الموارد المحلية للاستفادة منها، وبناء الشراكات بين المنظمات غير الحكومية والمؤسسات الحكومية، ومؤسسات القطاع الخاص، إضافة لقضايا الحشد والمناصرة والتوعية، والعلاقة بين الإعلام والشباب والمناصرة. والحفاظ على قضايا التعددية الثقافية والسياسية، والتراث وتعزيز حضورها في مشهد الهويّة السورية الجامعة.
هذه العناصر، ودمجها مع العنصر الفاعل، قضايا ودور التمويل، تلعب أدواراً مركبة وأساسية لمشاريع التنمية في سوريا. وخاصة أن تقديرات حكومية ضمن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية، اشارت لوجود \2443\ منظمة غير حكومية في سوريا. ما عدا كثافة المؤسسات في المنطقة الكوردية والتي بغالبيتها لم تتقدم بعد للترخيص، لأسباب مختلفة. يُمكن للتعاون فيما بينها من تعزيز بيئة عمل جيدة. خاصة في قضايا العدالة الانتقالية، ومساحات عمل الشباب والعمل النسوي، والتحديات الإدارية والثقافية والتشريعية. والأهم هو استمرار عمل المنظمات غير الحكومية من مراقبة عمل السلطة وليس العكس، كما حصل في جميع هياكل الحكم المحلية ما قبل سقوط النظام البائد.








