الوطن – علا حربة
أن تُسلب منك القدرة على رؤية ما يحدث حولك، وأن تُدفع إلى مكان لا تعرفه، بينما يقترب صوت الرصاص شيئاً فشيئاً، ليس مجرد مشهد من الحرب، بل لحظة تختصر معنى العجز الإنساني في أقصى درجاته.
في حي التضامن بدمشق، ظلّت بعض التفاصيل لسنوات تُروى همساً، قبل أن تظهر إلى العلن وقائع صادمة عن مصير عشرات المدنيين قضوا في جريمة مروعة داخل حفرة كبيرة في السادس عشر من نيسان عام 2013، في مشهد إعدام جماعي حفر في ذاكرة السوريين، ولن ينسى.

لم يحمل أهالي التضامن أي ذنب يذكر عدا كونهم مدنيين خرجوا بحثاً عن لقمة العيش، ذلك الحق البسيط في الحياة الكريمة في سوريا الأسد، لكن ذلك لم يبعدهم عن سادية وإجرام شبيحة الأسد الذين اعتقلوهم واقتادوهم إلى مصيرهم المؤلم.
ما يجعل هذه الجريمة لا تشبه غيرها هو الطريقة التي ارتُكبت بها. فقد جرى توثيقها ببرود وعلى أصوات الضحكات، فيما كان الضحايا مقيّدي الأيدي ومعصوبي الأعين، يُساقون واحداً تلو الآخر نحو نهايتهم، دون إدراك كامل لما ينتظرهم.
لسنوات، ظلّ مصير هؤلاء الضحايا مجهولاً، تاركاً خلفه عائلات عالقة في الانتظار: أمهات، زوجات، وأبناء يبحثون عن إجابة، أو حتى أثر.
تقول سارة، التي فقدت والدها وشقيقها في المجزرة:
“خرج أبي ليحضر الخبز، ولحق به أخي. لم يعودا. لم نحصل حتى على فرصة لوداعهما.
كل ما بقي هو ذلك الباب الذي أُغلق خلفهما .. وكأنه كان الوداع الأخير.
منذ ذلك اليوم، أشعر أن جزءاً مني دُفن هناك.”.
أما أم محمد، التي فقدت ابنها الوحيد، فلا تزال تنتظر العدالة:
“ابني لم يكن يحمل سوى اسمه وحلمه بحياة عادية بسيطة جداً.
أخذوه بلا سبب ولا ذنب, كل ما أريده اليوم هو ألا يُنسَ دمه، وألا يضيع حقه دون حساب. إلى ذلك الحين، أنا لا أعيش… أنا أنتظر”.
لم يكمن ألم مجزرة التضامن في وقوع الجريمة فقط، بل في أثرها الممتد على عائلات لم تتلقّ أي إجابة حاسمة عن مصير أبنائها لسنوات طويلة لتصدم بتوثيق المجرمين لجريمتهم بأشنع الطرق، ولتبحث بين الوجوه والملابس عن أجوبة تؤلم أكثر مما تريح.
هذه الواقعة الحاضرة في أذهان السوريين ستبقى ملفاً مفتوحاً على أسئلة العدالة والمحاسبة وعلى غياب الإجابات الكافية التي يجب أن ترافق هذه الجرائم.







