“غادرت دمشق بعد حصولي على الدكتوراه في جامعة دمشق عام 1991 وكان عمري 25 عاماً، وأعود إليها وأنا بحدود السبعين عاماً، وحينما أكون في أي مكان لا أستطيع أن أنسى دمشق”، بهذه الكلمات بدأ الدكتور عبد الباسط سيدا محاضرته التي أقامها ضمن فعاليات معرض دمشق الدولي للكتاب في يومه الثالث، موضّحاً أنّ “مأساتنا نحن السوريين، تكمن في أننا نحنّ إلى أماكن لم تعد موجودة، وإلى أشخاص قد رحلوا إلى العالم الآخر، ومع ذلك لابدّ من أن نتفاءل”.
أما بالنسبة إلى المشروع الوطني السوري الجامع، فحاول الدكتور سيدا تلخيص الموقف قائلا: “دول هذه المنطقة الحديثة التي تشكّلت منذ قرن، تشكّلت بغير إرادة أهلها، واتفاقية سايكس بيكو هي التي قسمت المنطقة، وهذه الخطوط المستقيمة والزوايا الحادة والمنفرجة التي تمثل الحدود بين الدول، رُسمت في المكاتب، ونُقلت إلى أرض الواقع لذلك حصلت كوارث، لدرجة أنّ العشيرة الواحدة انقسمت إلى قسمين، بل العائلة الواحدة انقسمت إلى قسمين”.
وشدد سيدا على أنّ تاريخ سوريا يعود إلى آلاف السنين قبل الميلاد، إلى أيام الفينيقيين والآراميين، وفيما بعد الفرس واليونان الذين تعاقبوا على هذه الأرض الغنية بحضارتها، بعد ذلك كانت الدولة العربية الإسلامية في المرحلة الأموية ومن ثم الأيوبية والعثمانية حتى وصلنا إلى بداية مرحلة الانتداب الفرنسي، مؤكدا أنّ “التّاريخ السّوري جاء نتيجة التمازج الحضاري بين شعوب متعددة سكنت المنطقة أو مرت منها أو تصارعت عليها، ما يستدعي البحث عن هوية وطنية جامعة ضمن إطار مشروع وطني يكون للجميع، ففي سوريا إثنيات متعددة ومكوّنات عرقية وأخرى دينية، لذلك أقول دائما: إن سوريا لا تتحمل التّعصب الدّيني أو القومي أو الأيديولوجي، ولابد من احترام الآخر المختلف، فأنا لا يمكنني أن أفرض على الآخر أن يعتقد ما أعتقد، لكننا نستطيع احترام بعضنا”.

وأضاف سيدا: “سوريا تمتلك بُعدا إسلاميا وعربيا وبُعدا سيرياليا وتركمانيا ومسيحيا وكرديا، وسابقا كانت تحنّ إلى دولة الخلافة الإسلامية، وفي المقابل ظهر اتّجاه قومي يطالب بالدّولة العربية الواحدة وكان هناك الأيديولوجية الأممية، لكن كانت أقلّ شأنا من القومية، وأعتقد أنّه بعد التجارب المريرة التي مررنا بها لا بد من التفكير بعقلية أخرى تضع التنوع السوري في خدمة المشروع السوري، فنستفيد من البُعد الإسلامي والتركماني والمسيحي، ليكون هذا الفسيفساء السّوري جسرا للتواصل والتّمازج الحضاري بين الجميع ولمصلحة الجميع”.
وأكد الدكتور سيدا أهمية عدم استخدام التعابير الاستفزازية التي تفرّق، والتفكير بالتعابير التي تجمع، وببناء الجسور لا الجدران”، مبينا أننا في سوريا نعاني مشكلة وهي اللغة الاستفزازية المقيتة والتي ما لم نتخلص منها ستجلب لنا المشكلات الكثيرة، مضيفا: “يجب احترام الآخر المختلف، واحترام الخصوصيات والاعتراف بحقوق الجماعات، فالجميع سواسية في القانون، والدولة على مسافة واحدة من الجميع.. ونحتاج أيضا إلى عقد اجتماعي بين كل هذه المكونات”.
الوطن ـ نجوى صليبه








