تكتسب زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى ألمانيا وبريطانيا أهمية خاصة، بوصفها محطة متقدمة في مسار استعادة سوريا حضورها على الساحتين الإقليمية والدولية، بعد سنوات من العزلة والتراجع. وتأتي هذه الخطوة في سياق تحرك دبلوماسي متدرج نجح في إعادة فتح قنوات التواصل مع عواصم مؤثرة، مستنداً إلى مقاربة جديدة تقوم على المصالح المشتركة وتوازن العلاقات.
وتعكس الزيارة تحولاً في بنية الخطاب السياسي السوري، حيث لم تعد دمشق تُقدَّم كملف إنساني أو ساحة نزاع، بل كطرف فاعل يسعى إلى تثبيت موقعه في معادلات الاستقرار الإقليمي، ويبرز هذا التحول من خلال تبني دبلوماسية نشطة تبتعد عن سياسة المحاور، وتعمل على تنويع الشراكات دون الارتهان لأي اصطفاف، بما يمنح صانع القرار هامشاً أوسع للحركة والتأثير.
وخلال المرحلة الماضية، لعبت الدبلوماسية السورية دوراً محورياً في تهيئة الأرضية لهذه الانفتاحات، عبر إدارة علاقات مركبة مع أطراف دولية وإقليمية متباينة، والحفاظ على قنوات اتصال فاعلة، ما أسهم في تخفيف حدة القطيعة وفتح المجال أمام إعادة بناء الثقة تدريجياً، وقد انعكس ذلك في تنامي مؤشرات القبول الدولي بالتعامل مع دمشق ضمن مقاربات واقعية تأخذ في الاعتبار موقعها الجغرافي ودورها في ملفات الأمن والاستقرار.
على ضفة موازية، تحمل الزيارة بعداً اقتصاديا عملياً يرتبط بجهود إعادة الإعمار، حيث تسعى سوريا إلى استقطاب استثمارات أوروبية، وفتح مجالات تعاون في قطاعات البنية التحتية والطاقة والخدمات، كما يتم التركيز على دور الجاليات السورية في الخارج، باعتبارها رافعة اقتصادية ومعرفية يمكن أن تسهم في نقل الخبرات وتعزيز فرص التعافي، في إطار رؤية تربط بين الانفتاح الخارجي والتنمية الداخلية.
وفي السياق ذاته، تعمل دمشق على ترسيخ صورة جديدة لها في الخطاب الدولي، قائمة على الندية والتعاون، مع إبراز قدرتها على أن تكون شريكاً في استقرار المنطقة، ولا سيما في ظل التحديات المتصاعدة التي تواجه الشرق الأوسط، ويواكب ذلك تقديم نموذج قيادي يعتمد على إدارة الأزمات بهدوء، وبناء تحالفات مرنة تستجيب لمتغيرات البيئة الدولية.
في المحصلة، فإن زيارة الرئيس الشرع الى ألمانيا وبريطانيا تمثل امتداداً لمسار دبلوماسي تراكمي، يعكس انتقال سوريا من موقع العزلة إلى مرحلة إعادة التموضع، عبر أدوات سياسية واقتصادية متكاملة، ويؤشر هذا التحول إلى بداية مرحلة جديدة عنوانها الشراكات المتوازنة، واستعادة الدور ضمن منظومة دولية أكثر تعقيداً، مع الحفاظ على استقلالية القرار وتجنب الانخراط في الاستقطابات الحادة.
الوطن – أسرة التحرير






