أعلن صندوق النقد الدولي في بيانه أنه اتفق مع سوريا على برنامج واسع النطاق للمساعدة الفنية للمرحلة المقبلة تتضمن إصلاحات المالية العامة وتشمل إدارة المالية العامة، بما فيها إدارة النقد، وإعداد وتنفيذ الموازنة، وتعبئة الإيرادات، بما في ذلك السياسة الضريبية وإدارة الإيرادات، وإدارة الدين العام وتقديم المزيد من الدعم الفني في إعداد تحليل استدامة القدرة على تحمل الدين، وجمع الضرائب على الموارد الطبيعية وإدارتها، إضافة إلى إصلاحات القطاع المالي عبر صياغة تشريع ولوائح جديدة للقطاع المالي، وإعادة تأهيل نظام المدفوعات والنظام المصرفي، وتعزيز الرقابة المصرفية، ودعم المصرف المركزي في إعداد وتنفيذ إطار مناسب للسياسة النقدية.
الدكتور عبد الرحمن محمد أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد في جامعة حماه أكد أن سوريا تشهد مرحلة فارقة في تاريخها المعاصر بعد التحرير، حيث تبرز الحاجة الملحة لإعادة بناء اقتصاد هُدم من جراء عقود من الصراع والعزلة الدولية، وفي خضم هذا الواقع يبرز صندوق النقد الدولي كطرف رئيس في عملية إعادة الإدماج المالي، لكن طبيعة هذه العودة تحمل في طياتها فرصاً وتحديات، فالمساعدات المقدمة ليست كلها قروضاً، كما أن الدعم الفني قد يكون بوابة لسياسات أوسع.
علاقة سوريا بالصندوق

أوضح أستاذ الاقتصاد أن المعطيات الرسمية تشير إلى وجود تواصل نشط بين الحكومة السورية الجديدة وصندوق النقد الدولي، حيث عُقدت اجتماعات رفيعة المستوى على هامش اجتماعات الربيع واجتماعات الخريف السنوية في واشنطن، كما قامت بعثة من الصندوق بزيارة دمشق في تشرين الثاني (نوفمبر) 2025، وهي الأولى من نوعها منذ عام 2009، بهدف تقييم الوضع الاقتصادي والبدء بمناقشات حول السياسات المالية والنقدية.
وأضاف: لكن اللافت للانتباه هو أن طبيعة الدعم المطروح حالياً ليس قروضاً جديدة لتمويل الموازنة أو مشروعات ضخمة، بل تتركز بشكل أساسي حول “المساعدة الفنية” وبناء المؤسسات.
الفرق بين المساعدات الفنية والقروض
وأكد محمد أنه من الضروري التمييز بين شكلين رئيسيين من أشكال دعم الصندوق، لأن الخلط بينهما يغفل حقائق مهمة عن مرحلة إعادة الإعمار، هما المساعدة الفنية وهي الدعم الحالي المقدم لسوريا والمتمثل في خبرات واستشارات تهدف لبناء قدرات المؤسسات الاقتصادية، وتشمل تحسين إدارة المالية العامة، وإعداد تشريعات ضريبية جديدة، وإعادة تأهيل نظام الدفع في المصرف المركزي، وتدريب الكوادر على جمع الإحصاءات وإعداد البيانات الاقتصادية، إذ لا تُسدّد هذه المساعدة كقروض، بل غالباً ما تكون منحاً أو ضمن برامج بناء قدرات، وهدفها تهيئة البيئة الاقتصادية لاتخاذ قرارات سليمة.
بينما القروض يمكن أن تكون في مرحلة لاحقة محتملة، وتأتي عادة عبر آليات مثل “اتفاقات الاستعداد الائتماني” أو “تسهيل الصندوق الموسع”، وهي مخصصة لدعم ميزان المدفوعات وتمويل فجوة الموازنة في حالات العجز الشديد، وتتميز القروض بأنها مشروطة؛ أي أن الحصول عليها يتطلب تنفيذ إصلاحات هيكلية قد تكون مؤلمة، مثل خفض الدعم، أو تحرير سعر الصرف، أو خفض الإنفاق العام.
ونوه إلى أن سوريا حالياً في مرحلة ما قبل القروض، أي مرحلة بناء الأساس الإحصائي والقانوني الذي يؤهلها لاحقاً، إذا أرادت، لطلب تمويل حقيقي.
انعكاسات الدعم على القطاعات المستهدفة
ولفت محمد إلى أن المساعدات الفنية الحالية، وإن بدت تقنية، إلا أن تأثيراتها ستطول قطاعات اقتصادية كلية بطرق مباشرة وغير مباشرة، كالقطاع المالي والمصرفي وتستهدف المساعدة في إعادة تأهيل نظام المدفوعات وتعزيز قدرات المصرف المركزي التي ستعمل على إيجاد بيئة أكثر استقراراً للنقد، إضافة إلى تطوير إطار للسياسة النقدية يهدف لضبط التضخم ما سينعكس إيجاباً على القدرة الشرائية للمواطنين، ويشجع على إعادة الأموال إلى الجهاز المصرفي، وهذا يوفر أرضية للاستثمار وإقراض القطاع الخاص.
وكذلك بالنسبة للقطاع العام والموازنة، إذ تستهدف مساعدة الصندوق ل “صياغة موازنة 2026” وإعداد تشريع ضريبي جديد يهدف لزيادة “الحيز المالي”، أي قدرة الدولة على توفير إيرادات تغطي نفقاتها من دون التضخم أو المديونية، كما أن التركيز على أن يكون النظام الضريبي “بسيطاً وتنافسياً” يشير إلى محاولة لضم الاقتصاد غير الرسمي إلى الموازنة وتوسيع القاعدة الضريبية بدلاً من رفع الأسعار.
إضافة إلى القطاع الخاص والاستثمار، فرغم أن المساعدة الفنية لا تذهب إلى الشركات مباشرة، إلا أن الدراسات تشير إلى أن مجرد الدخول في برنامج مع الصندوق (حتى في مراحله الفنية) يُرسل إشارة إيجابية للمستثمرين المحليين والدوليين بأن الاقتصاد سيخضع لقواعد واضحة وشفافة، وهذا يقلل “عدم اليقين” ويشجع الشركات على زيادة استثماراتها في الأصول الثابتة، وتصريحات المسؤولين السعوديين بوجود استثمارات قيد الإنجاز تعزز هذه الفكرة.
وختم محمد بالقول: إن توجه سوريا الحالي للاستفادة من المساعدة الفنية لصندوق النقد الدولي خطوة محسوبة وصحيحة، شرط أن تظل “مُلكية” القرار الاقتصادي وطنية، فبناء مؤسسات قادرة على جمع البيانات ورسم السياسات هو الدرع التي تحمي الدولة لاحقاً من صدمات التكيف القاسية التي ترافق القروض الكبرى.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في المساعدة الفنية ذاتها، بل في تحولها إلى “تبعية بيانات” أو “هندسة مسبقة” لشروط قروض مستقبلية قد لا تتناسب مع البنية الاجتماعية الهشة لسوريا ما بعد الحرب، إذ يجب على الحكومة السورية أن تنظر للخبرات المقدمة كأدوات لخدمة استراتيجية وطنية للإنعاش، لا كبديل عنها، فالنجاح الاقتصادي لسوريا سيقاس بقدرتها على تحقيق استقرار نقدي ومالي من دون التضحية بالدعم الاجتماعي للفئات الأكثر تضرراً، وهذا يتطلب موازنة دقيقة بين نصائح الصندوق واحتياجات الشعب.








