منذ قرون طويلة كانت أرواد ترسل سفنها إلى الأفق وتستقبل على شواطئها رياح المتوسط وحضاراته، جزيرة صغيرة في المساحة، لكنها ساهمت في رسم ملامح التجارة البحرية، غير أن هذه الجزيرة التي كانت بوابة البحر، وجدت نفسها في العقود الأخيرة منفية على هامش الاهتمام الرسمي، فيما انحسر النظر إلى البحر بوصفه حدوداً جغرافية تلامس المياه، لا بوصفه مورداً اقتصادياً ومساحةً لصناعة المستقبل.
فأرواد ليست مجرد جزيرة مأهولة قبالة شواطئ طرطوس، بل هي قطعة من التاريخ السوري طفت فوق مياه المتوسط لآلاف السنين، ونسجت عبره آثاراً باقية في الملاحة وخطوط التجارة البحرية ومسارات التاريخ، هنا، اعتاد البحّارة قراءة الريح قبل طلوع الشمس، وتشكّلت واحدة من أقدم الهويات البحرية في المنطقة، وهنا صنعت السفن التي جابت المتوسط، حتى أصبحت أرواد يوماً عقدة وصل بين حضارات وممالك وإمبراطوريات.
لهذا السبب تكتسب الزيارة الأولى لرئيس سوري إلى الجزيرة، رمزية كبيرة لدى أبناء أرواد الذين شعروا لسنوات طويلة بأن جزيرتهم التاريخية بعيدة عن دوائر القرار والاهتمام، لذلك لم يكن مستغرباً أن تستقبل الزيارة بحفاوة لافتة، وأن ينظر إليها كثيرون بوصفها اعترافاًً بمكانة الجزيرة ودورها في الذاكرة الوطنية.

وحين يقول الرئيس الشرع إن أرواد كانت مهملة سابقاً وإنها مرشّحة لتكون منصة جديدة لإعادة بناء الاقتصاد السوري، فهو لا يتحدث فقط عن مشاريع خدمية أو سياحية، بل عن رؤية أوسع تعيد الاعتبار للموقع البحري لسوريا ودورها الاقتصادي المرتبط بالبحر، وبالتالي إعادة اكتشاف أحد الموارد الاستراتيجية التي ظلت لعقود خارج دائرة الاستثمار الحقيقي.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في الزيارة أن أرواد تطرح نموذجاً مختلفاً للنهوض يقوم على الاستثمار في التاريخ والتراث والهوية البحرية، فالجزيرة التي بنت السفن في الماضي يمكنها أن تبني فرصاً جديدة في السياحة البحرية والصناعات الحرفية والخدمات المرتبطة بالاقتصاد الأزرق الذي بات يشكّل أحد أسرع القطاعات نموّاً على مستوى العالم.
واليوم تبدو أرواد وكأنها ترفع مرساتها من جديد بعد سنوات طويلة من الإهمال والتهميش، في لحظة أعادت فيها سوريا اكتشاف بحرها، كما أعادت البحر إلى قلب مشروعها الوطني القادم بوصفه رافعة للتنمية وجسراً نحو المستقبل، فهذه الجزيرة التي صنعت جزءاً من تاريخ المتوسط، تذكّر بأن الأمم، كما السفن، لا تمضي بثبات نحو آفاق جديدة إلا حين تكون جذورها راسخة في عمق تاريخها وهويتها.
الوطن – أسرة التحرير








