سلسلة من الهجمات الإرهابية المتتالية، استهدف فيها تنظيم “داعش” عناصر الجيش العربي السوري، وقوى الأمن الداخلي، في محافظتي دير الزور والرقة، التي كان آخرها اليوم، حيث استشهد جندي في الجيش العربي السوري، إثر استهداف مقر له في محيط مدينة الميادين بريف دير الزور، وفي كل مرة يتم فيها الإعلان عن هجوم جديد لتنظيم داعش، يتكرر السؤال ذاته، هل نحن أمام عودة التنظيم إلى الواجهة من جديد؟ وهل ما يقوم به “داعش” من عمليات تفجير واغتيال يعكس تحولاً في التكتيك الذي اتبعه طوال سنوات مضت؟
حسب متابعين فإن تنظيم “داعش” لا يسعى اليوم، وبخلاف الماضي، إلى السيطرة على مدن ومساحات جغرافية، بل يعتمد أسلوب حرب العصابات: خلايا نائمة، كمائن سريعة، واغتيالات تستهدف نقاطاً عسكرية وأمنية، وهذه العمليات، وإن بدت محدودة من حيث الحجم، تحمل رسالة واضحة ومقلقة، وهي أن التنظيم مازال قادراً على الضرب واستثمار أي فراغ أمني أو ارتباك سياسي، سواء في الجغرافيا السورية، أم على مستوى جغرافيا المنطقة برمتها.
الباحث في مركز «جسور» للدراسات، وائل علوان، يوضح في حديثه لـ”الوطن” أن تنظيم “داعش” يحاول اليوم تقديم نفسه بصورة تساعده بشكل كبير على الحشد والتجنيد، وهذه الصورة تحتاج الى إظهار العمل والنشاط والفاعلية، وأنه موجود، وإعادة تذكير بالإيديولوجيا، ويقول: “عادة هذه التنظيمات الراديكالية المتطرفة تفكر بعقلية ما دون الدولة، وهي تلقت ضربات قوية من التحالف الدولي في سوريا والمنطقة، جعلت التنظيم ينهار كمنظومة مركزية”.

كثيرة هي الحقائق والأدلة التي تثبت أن “داعش” لم يعد كما كان، لكن أيضاً لم يختفِ، إنه يتحرك اليوم بأسلوب مختلف، أقل صخباً وأكثر براغماتية، مستفيداً من هشاشة المشهد الأمني شرق سوريا، وفي هذا الخصوص يبين علوان أن ضربات “التحالف” وانهيار التنظيم كمنظومة مركزية دفعت به اللجوء إلى أسلوب عمل مرن لا مركزي، ويشير علوان إلى أن طول السنوات الماضية، منذ معركة الباغوز حتى اليوم، جعل “داعش” قادر على دراسة، وقت وشكل التحرك، بما يفيده بعملية التجنيد، والأخيرة مهمة جداً للتنظيم، لأنه فعلياً خسر الكثير والكثير من رصيده، مع سقوط نظام الأسد أولاً، وخسر الكثير من فرصه بسيطرة الحكومة على القسم الأكبر من الجغرافيا السورية.
ويوضح علوان أن التنظيم يستثمر في الفوضى، وفي الخلافات الداخلية وعدم الاستقرار، ومع ذهاب سوريا إلى الاستقرار، وسيطرة الحكومة على كامل الجغرافيا تقريباً، مع توجه إقليمي ودولي لدعم الاستقرار في سوريا، فإن ذلك بمجمله يجعل التنظيم في تهديد وجودي، لأن التنظيمات الراديكالية لا تقوم إلا في جو من الفوضى والاضطراب، واستقرار سوريا يعني انتهاء هذه التنظيمات بشكل كامل.
ويرى علوان أن تحركات التنظيم الميدانية بالرقة وبدير الزور بالبادية، في هذا التوقيت، إضافة إلى التسجيل الصوتي، الذي عرف عن نفسه أنه المتحدث باسم التنظيم، هي محاولة من “داعش” لإرسال رسائل بأن التنظيم موجود ومتماسك وقادر على الحركة ولديه رؤية تمثل الإيديولوجيا التي يتبناها ويحشد من أجلها، ليعرب علوان عن اعتقاده أن كل ذلك لا يعكس قدرة وإمكانات التنظيم، التي من وجهة نظر علوان ربما تكون أضعف بكثير مما قد يُخلق من انطباع للمتابع العام.
وختم علوان بالإشارة إلى أن “داعش” بحاجة اليوم الى إظهار نفسه أنه متماسك، وأنه قادر على التحرك وأنه مستقر إيديولوجياً، في حين أن الحقيقة تكون عكس ذلك، وإنما يريد أن يظهر ذلك من أجل أن يذهب إلى التجنيد ويذهب إلى استدراك ربما الخلل الداخلي في بنيته وفي خلاياه.
الوطن- أسرة التحرير








