تقف سوريا اليوم على أعتاب مرحلة اقتصادية جديدة، ترسم ملامحها الزيارات الدولية المتتالية التي شهدتها دمشق، بدءاً من زيارة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، وصولاً إلى لقاء الرئيس أحمد الشرع بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في العاصمة التركية أنقرة مؤخرا، مروراً بالحضور التركي والخليجي البارز والمكثف.
هذه التحركات الدبلوماسية، من وجهة نظر الأكاديمي الدكتور زياد عربش، ليست مجرد استعراض سياسي، بل تحمل في طياتها أبعاداً اقتصادية عميقة قد تكون المفتاح لانتعاش البلاد بعد سنوات الانهيار، أو العبء الثقيل الذي قد يعوق النهضة إن لم تُدر بعناية.
التناقض الأميركي بين الانفتاح السياسي والقيود الدفاعية

رغم التصريحات المتفائلة التي أطلقتها مساعدة وزير الخارجية الأميركي باربرا ليف حول رفع سوريا من قائمة الإرهاب، وما رافق ذلك من حديث عن “انتهاء الوصمة” و”فتح آفاق التعاون الاقتصادي”، فإن الموقف التشريعي الأميركي يبدو أكثر تحفظاً وتعقيداً، لأن مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني لعام2027 (NDAA)، الذي نشر مجلس الشيوخ نصّه في 16 حزيران المنصرم، يفرض وفق عربش شروطاً مشددة على أي تعاون دفاعي مع سوريا، تشمل إخراج جميع المقاتلين الأجانب من القوات المسلحة السوريا، ودمج “عادل” لـ”قوات سورية الديمقراطية”، وضمانات صارمة ضد هجمات الأكراد والمسلحين في السويداء.
ويضيف: “هذه الشروط تعكس مخاوف “كونغرسية” عميقة، تصطدم بواقع سياسي ميداني، لا سيما أن دمج نحو 2500 مقاتل أجنبي في الجيش السوري عام 2025 كان يتم بموافقة أميركية صريحة، ما يجعل إخراجهم الآن أشبه بإشعال صراع جديد في مرحلة انتقالية هشة.
مستقبل التمويل والاستقرار الإقليمي
الأهم أن استمرار هذه الشروط، خاصة المتعلقة بالمقاتلين الأجانب، قد يحول دون صرف أي تمويل دفاعي أميركي لسوريا. وفي غياب الدعم، ستبقى مهمة مكافحة الإرهاب مرهونة بجهود وزارة الداخلية والمخابرات العامة السورية، مع حاجتها الماسة لدعم خارجي من شركاء آخرين. وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن التوفيق بين وعود واشنطن بإعادة الإعمار والانفتاح الاقتصادي، وبين قيودها الدفاعية التي تهدد بتقويض الاستقرار ذاته الذي تراه أساساً لأمن المنطقة؟. وبهذا الشأن يقول عربش: “يبدو أن الإدارة الأميركية تسير في مسارين متوازيين: مسار دبلوماسي اقتصادي يريد إعادة دمج سوريا، ومسار تشريعي أمني لا يزال أسير مخاوف الماضي وحسابات الطوائف والنفوذ، ما يضع الحكومة السورية أمام اختبار صعب في كسب ثقة الكونغرس، بعيداً عن اللغة الرسمية لوزارة الخارجية.
فك العزلة الاقتصادية والنافذة الذهبية
مع إعلان واشنطن رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وفتح الباب أمام الشركات الأميركية للاستثمار، إلى جانب توقيع ماكرون لاتفاقات ومذكرات تفاهم شملت قطاعات الصحة والطاقة والبنية التحتية، تفتحت أمام سوريا أبواب كانت موصدة لعقد كامل. وهذه الخطوات تعني عمليا برأي عربش بدء تفكيك جدار العقوبات الغربية، وهو ما يمثل تحولاً جذرياً في مناخ الاستثمار، حيث كانت العقوبات تشل حركة التحويلات المالية وتعزل القطاع المصرفي السوري عن التعاملات الدولية. ومع هذا الانفراج، تصبح سوريا مؤهلة تدريجياً للعودة إلى منظومة المدفوعات العالمية، ما يسهل استيراد المواد الأولية وتدفق رؤوس الأموال، ويخفف من أزمة السيولة الخانقة التي تعاني منها السوق المحلية.
إعادة الإعمار الرقم الصعب والتمويل الخليجي
وتعد عملية إعادة الإعمار أحد أبرز الملفات الاقتصادية الملحة، حيث تقدر الخسائر المباشرة بعشرات المليارات من الدولارات، وبحسب عربش، هنا يأتي الدور الخليجي الذي لم يعد مقتصراً على الدعم السياسي، بل بدأ يترجم إلى وعود تمويلية واستثمارية، مع إشارات من الرياض وأبوظبي إلى استعدادهما للمشاركة في إعادة بناء البنية التحتية والمدن المدمرة، خاصة في المناطق التي شهدت نزوحاً كبيراً.
وهذه المشاركة الخليجية، إلى جانب الاستثمارات الأوروبية المحتملة، – والكلام دائما لعربش – تضع سوريا أمام فرصة حقيقية لانطلاقة عمرانية كبرى، شرط أن توفر بيئة قانونية شفافة تضمن حقوق المستثمرين وتُحارب الفساد المستشري، وتُرسي قواعد حوكمة رشيدة لإدارة أموال الإعمار بعيداً عن المحسوبيات والهدر.
قطاع الطاقة والزراعة محركان للنهوض
في اللقاءات الأخيرة، برز ملف الطاقة كمحور أساسي، حيث تبحث فرنسا ودول خليجية إمكانية المساهمة في تأهيل حقول النفط والغاز وإعادة تشغيلها، فضلاً عن تحديث شبكات الكهرباء التي تعاني من انقطاعات مزمنة، فإحياء قطاع الطاقة لا يعني فقط تأمين احتياجات السوق المحلية، بل يعيد سوريا تدريجياً إلى خريطة التصدير الإقليمي، ما يوفر مصدراً مهماً للعملة الصعبة، وفق عربش.
على الجانب الآخر، يلفت عربش إلى أن القطاع الزراعي يشكل ركيزة اقتصادية واعدة، إذ تمتلك سورية أراضي خصبة وقدرات إنتاجية عالية في الحبوب والقطن والزيتون والفواكه، وإعادة تأهيل هذا القطاع عبر توفير الأسمدة والمعدات وإعادة فتح أسواق التصدير التقليدية، يمكن أن يُحدث نقلة نوعية في الميزان التجاري ويُوفر فرص عمل واسعة في الريف، ما يُخفف الضغط على المدن ويُحدّ من البطالة والفقر. لكن كل ذلك يحتاج لإطار مؤسساتي واضح وشفاف.
العملة وسعر الصرف.. معادلة الاستقرار
لا يمكن الحديث عن نهضة اقتصادية دون معالجة أزمة العملة التي تعصف بالليرة السورية، حيث يشكل استقرار سعر الصرف حجر الزاوية لأي إصلاح، حسب عربش، الذي يوضح أن الانفراج السياسي وتدفق الاستثمارات والعملات الصعبة يُعطي مؤشراً إيجابياً للسوق، لكن ذلك يرتبط بمدى ثقة المواطن والمستثمر باستمرارية الإصلاحات.
ويلفت الاكاديمي عربش إلى إن هناك تحدياً كبيراً أمام الحكومة الجديدة لضبط سوق الصرف غير الرسمي، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، والحد من عمليات التهريب والمضاربة التي تُفقد العملة قيمتها، اذ يتطلب الأمر سياسة نقدية متزنة، قد تكون مدعومة بقروض ودعم من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، شرط الالتزام ببرامج إصلاحية واضحة، بما في ذلك ترشيد الدعم وتحسين كفاءة الإنفاق العام.
التحديات الاقتصادية الكبرى
لكن الطريق إلى الانتعاش الاقتصادي محفوف بعقبات جسيمة، أبرزها التفجيرات التي تحصل في توقيت حساس، ما يبعث وفق عربش، برسالة سلبية عن استقرار البلاد ويُثبط عزيمة المستثمرين. إضافة إلى ذلك، تظل “التدخلات الإسرائيلية” في الجنوب والتي هي اعتداءات متواصلة، والتوترات مع المجموعات المسلحة الكردية في الشمال، عقبات أمنية تعوق استقرار المناطق الأكثر ثراءً بالموارد (النفط والزراعة).
كما أن عبء الديون الخارجية وقائمة المطالبات التعويضية التي تقدمت بها دول ومستثمرون، تُشكل ضغطاً كبيراً على المالية العامة، وقد تُربك أي محاولة لإعادة هيكلة الاقتصاد، كما لا يمكن تجاهل التحدي الاجتماعي المتمثل في البطالة المرتفعة والنزوح الداخلي والخارجي، حيث عودة النازحين وتوفير فرص عمل لهم يفترض اقتصاداً قادراً على الاستيعاب، وهو ما لا يتحقق بين ليلة وضحاها.
بالتالي، ما تمر به سوريا اليوم هو من وجهة نظر عربش لحظة فارقة (مستقبل معلق بين الفرصة والمخاطرة)، حيث يلتقي الإقبال الدولي مع الحاجة الماسة إلى إعادة البناء، ويتداخل الدعم الخليجي الغربي مع التحديات الأمنية الداخلية.
ويختم الاكاديمي عربش بالقول: إن “نجاح سورية في تحويل هذه الزيارات إلى واقع اقتصادي حقيقي، يعتمد على مدى قدرتها على خلق مناخ استثماري جاذب، ومكافحة الفساد، وتحقيق الاستقرار الأمني الكافي، واستعادة الثقة لدى مواطنيها أولاً قبل المستثمرين الأجانب، والرهان اليوم ليس على الوعود، بل على الإرادة الحقيقية في اتخاذ خطوات ملموسة نحو الإصلاح، وإلا فإن هذا الإقبال الدولي قد يتحول إلى خيبة أمل جديدة، وتُضاف إلى سجل سوريا سنوات أخرى من التحديات الاقتصادية العالقة”.
الوطن – أسرة التحرير








