تفتتح وزارة الثقافة بالتعاون مع مؤسسة “دمشق للثقافة والفكر والفنون والتنمية”، مرسم “فاتح المدرّس” يوم الأحد المقبل في ساحة النجمة بدمشق.
على مدى قرابة شهرين، أعيد تأهيل المرسم وصيانة مقتنياته، ومعالجة الجدران وحمايتها من الرطوبة، وتجهيز المكان بالطاقة والإضاءة المناسبة لاستضافة المعارض وورش العمل الفنية.
وقد حافظ الترميم على مقتنيات فاتح المدرّس وأدواته الشخصية، من الريّش والفراشي والألوان والمزّاجات، ضمن خزانة خاصة، إلى جانب جداريته الفنية الضخمة.
وتكمن أهمية المرسم من أنه كان جزءاً من الذاكرة التشكيلية السورية، وكان في حياة المدرّس ملتقى للندوات والأمسيات والحوارات الثقافية، ليعود اليوم ليكون مساحة للفنانين والمعارض وورش العمل.
ويمثل ترميم المرسم خطوة أولى لإحياء مراسم رواد الحركة التشكيلية السورية، وإعادة تفعيلها مساحات حية للمعارض وورش العمل والفنانين.
وبالتزامن، يُفتتح معرض “أحد عشر عاماً” للفنان التشكيلي خالد العطار في المرسم نفسه، ويقدّم العطار في معرضه مجموعة مشاريع فنية منها: مشروع “مزرعة الحيوان”، مأخوذ
عن رواية جورج أورويل تحمل العنوان نفسه، ومشروع نصوص عربية، وهو مجموعة لوحات مأخوذة عن نصوص عربية مثل: “أولاد حارتنا، سيرة المهلهل بن ربيعة، جبران خليل جبران”، مشروع “مارا- صاد في غايل”، المأخوذ عن مسرحية تحمل العنوان نفسه، وهو أول كتاب للفنان يشتمل على مجموعة من اللوحات، كما سيضم المعرض جداريات من عمل الفنان العطار.
مسيرة حافلة
ولد فاتح المدرّس عام 1922 في ريف حلب وسط بيئة فلاحية، وقد عاش مع والدته طفولة شقية محرومة متنقلاً بين عدة قرى عند أخواله بعد وفاة والده، ما ترك أثره في وجدانه وسلوكه الاجتماعي ونتاجه الفني والأدبي، ثم غادر حياة الريف وهو في الثامنة من عمره، ليقيم عند أعمامه بحي “الفرافرة” في حلب، لكنه فضّل لاحقاً الإقامة مع والدته في أحد البيوت البسيطة في حي باب النصر، وحين دخل المدرسة الابتدائية اكتشف أستاذ الرسم شريف بيرقدار موهبة الرسم لديه، واستيقظت ميوله نحو الموسيقا والشعر والقصة والرحلات، وفي مدرسة “التجهيز الأولى” تعرّف إلى أساتذة الفنون منيب النقشبندي وغالب سالم ووهبي الحريري، وأخذ عنهم المبادئ المدرسية لفن الرسم والثقافة الفنية.
وفي مطلع الأربعينيات من القرن الماضي، غادر حلب إلى لبنان ليتابع دراسته في “الكلية الأميركية” حيث درس اللغة الإنكليزية التي كانت وسيلته للاطلاع على الأدب والفن العالمي، بما في ذلك الاتجاهات الفنية الحديثة، وأخذ يتعرف على عدد من المثقفين اللبنانيين.
وحين عاد إلى حلب عمل مدرّساً للغة الإنكليزية والتربية الفنية في ثانويات حلب، وبدأت مشاركاته الفنية في الرسم تظهر إلى جانب عدد من الفنانين الرواد، كما ظهرت مساهماته الأدبية في الشعر والقصة التي كان ينشرها في الصحف والمجلات السورية، كما تعززت علاقته بعدد من الشعراء والأدباء أمثال عمر أبو ريشة وأدونيس والمخرج سليم قطاية والناقد سلمان قطاية.
تابع المدرّس دراسته العليا في “أكاديمية الفنون الجميلة” في باريس، ونال الدكتوراه عام 1972، وعُين أستاذاً للدراسات العليا في كلية “الفنون الجميلة” بدمشق عام 1977، وكان عضواً مؤسساً في نقابة “الفنون الجميلة” في سوريا، ثم رئيساً لها خلال أحد عشر عاماً.
في عام 1952 شارك في المعرض الرسمي الذي أقيم في دمشق إلى جانب أبرز الفنانين السوريين، ونال الجائزة الأولى في التصوير عن لوحته “كفر جنة” التي اعتبرها النقاد وقتئذ في طليعة الأعمال التصويرية في الفن السوري المعاصر.
وفي عام 1954 وضع المدرّس مؤلفاً من ثلاثة أجزاء عرض فيه “موجز تاريخ الفنون الجميلة”، وكان ذلك مقدمة لإفادته للدراسة الفنية في أكاديمية روما عام 1956، وهناك التقى بالمفكر الفرنسي “جان بول سارتر” الذي ترجم له بعض قصائده إلى الفرنسية، كما التقى عدداً من المثقفين العرب والغربيين.
عاد إلى دمشق ليتخذ له مرسماً وسـط المدينة، ويُعين معيداً في كلية “الفنون الجميلة” بدمشق فور إحداثها عام 1961، أما مرسمه فقد لعب دوراً مهماً في إغناء تجربته وغزارة إنتاجه وذيوع شهرته من خلال احتكاكه بالأوساط الثقافية والإعلامية، فقد كان خلوة للفنان يفرغ فيها ما تجود به قريحته، وسـرداباً يصل بين عالم الوعي الخارجي وعوالم الإبداع المدهشة بما فيه من ملامح وأدوات ومجالـس كانت موئلاً للعديد من الفنانين والأدباء والمثقفين والمريدين الذين سحرتهم عوالم المدرّس وطقوسه، وجرأته في فنه وحديثه.
أقام المدرّس عشرات المعارض الفردية في سوريا والوطن العربي والعالم، منها معرض في روما إلى جانب الفنانين “براك ميرو” و”شيندر” و”زادكين” و”بيكاسو” و”بومايستر” عام 1972، وأقام كذلك معرضاً مشتركاً مع الفنان السوري لؤي كيالي في “متحف حلب” عام 1976، واقتنيت أعماله من قبل عدد من الشخصيات العربية والعالمية.
كما حفلت حياته بعدد من الأنشطة الأدبية إلى جانب نتاجه التصويري الغزير، ففي عام 1962 أصدر ديوان “القمر الشرقي على شاطئ الغرب” باللغتين العربية والفرنسية، كما أخرجت السينما السورية ثلاث قصص له في ثلاثية بعنوان “العار” عام 1973، وصدرت له مجموعة قصصية بعنوان “عود النعنع” عام، 1981 وديوان “الزمن السيئ” مع صديقه حسين راجي عام 1985.
توفي عام 1999، ومنذ وفاته، ارتفعت أسعار أعماله بشكل كبير في المزادات العربية.









