في الرياضة كما في السياسة، لا تأتي الانهيارات الكبرى دفعة واحدة، بل تبدأ غالباً بشقوق صغيرة تتسلل بصمت إلى الجدران، حتى يحين يوم السقوط الكبير. وما جرى داخل اتحاد كرة السلة السورية لم يكن مجرد حادثة إدارية عابرة أو استقالة تقليدية يمكن المرور عليها بخفة، بل بدا وكأنه لحظة انكشاف كاملة لواقع مأزوم يتآكل من الداخل.
وسط هذا المناخ المشحون بالاحتقان والتوتر، جاءت استقالة عضو اتحاد السلة محمد الأشتر صفعة مدوية ضربت ما تبقى من صورة التماسك داخل المؤسسة الاتحادية، وكشفت للرأي العام حجم الانقسام العميق الذي بات ينخر جسد اللعبة. ورغم أن الاستقالة قدمت تحت عنوان دبلوماسي هادئ يحمل عبارة “أسباب شخصية خاصة”، إلا أن الكواليس كانت أكثر صخباً ومرارة من البيان الرسمي البارد.
المعلومات المتداولة من داخل أروقة الاتحاد ترسم صورة قاتمة عن حالة من التهميش الممنهج، وعن قرارات تدار بعقلية الفرد الواحد، حيث تغيب روح الشراكة وتُقصى الأصوات المخالفة. وتشير هذه المعطيات إلى أن الأشتر وجد نفسه في مواجهة عجز مؤلم؛ عجز عن حماية القانون، وعجز عن الدفاع عن العدالة الرياضية، وحتى عن الوقوف إلى جانب ناديه الأم أهلي حلب في خضم أزمة العقوبات الأخيرة التي اعتبرها كثيرون ذات طابع انتقامي أكثر من كونها إجراءات تنظيمية عادلة.

الأخطر من ذلك، أن أبواب الحوار والوساطات القانونية أُغلقت بالكامل، وكأن الاتحاد قرر أن يستبدل بمنطق المؤسسات منطق القوة، وأن يقصي كل محاولة لإعادة قراءة المشهد بروح رياضية متزنة وعادلة. وهنا تحديداً، لم تعد القضية مرتبطة باستقالة شخص، بل أصبحت مؤشراً خطيراً على أزمة إدارة وفكر ونهج.
استقالة الأشتر لم تكن ورقة انسحاب، بل كانت شهادة صامتة خرجت من قلب المطبخ السلوي، تؤكد أن اللعبة تدار اليوم وسط حالة من الارتباك والتفرد والانقسام، وأن كرة السلة السورية، التي لطالما شكلت مساحة للفرح والانتماء، باتت تسير فوق أرض مهتزة يملؤها الشك والخوف من المستقبل.
وحين تصبح المؤسسات الرياضية ساحات للصراع الشخصي وتصفية الحسابات، تفقد الرياضة معناها الأخلاقي قبل أن تخسر بطولاتها. فالسلة السورية لا تواجه اليوم أزمة نتائج أو منافسات فحسب، بل أزمة ثقة عميقة تهدد روح اللعبة ذاتها، وتدفع الجماهير إلى الوقوف على حافة الخيبة.
إن ما يحدث الآن ليس مجرد خلاف إداري عابر، بل لحظة مفصلية قد تحدد مصير اللعبة لسنوات طويلة. فإما أن تعود المؤسسات إلى لغة القانون والحوار والعدالة، وإما أن يستمر هذا الانحدار البطيء نحو نفق مظلم، تتساقط فيه أحلام اللاعبين والجماهير معاً، وتتحول فيه كرة السلة السورية من قصة شغف وطنية إلى حكاية نزيف لا ينتهي.
الوطن








