في أصداء مقالي المنشور الأسبوع الماضي، وصلني عتب وتأنيب من زملاء عبر الرسائل الخاصة، وكنت أفضل لو جاء ذلك على الملأ، لأن قضية سلم الرواتب والأجور جزء من بنية الإعلام السوري وواقعه، و تمس واحدة من أكثر الشرائح تأثيراً في المجال العام، وأشدها قدرة على إثارة الجدل وامتصاص المخاوف في آن معاً.
بعض الاعتراضات المحقة انصب على رفض المساواة، وهي الفكرة التي كنت أميل إليها، انطلاقا من قناعتي، بأن البنى الداخلية لا ينبغي أن تبقى أسيرة هشاشة الغيرة والتنافس في قضية يفترض أنها محسومة من حيث المبدأ.
الصحفي بطبعه. غيور منذ لحظة تشكله الأولى. يغار في السبق الصحفي، الحضور، الشهرة والريادة والمكانة. في الحظوة لدى الجمهور والمسؤولين على حد سواء. فكيف لا يغار في أكثر الاستحقاقات حساسية ومباشرة في حياته المهنية والمعيشية؟.

الاعتراض المحق كجزء من النقاش العام، ذهب إلى سؤال العدالة، إن كان جائزاً بالأصل، ” هل يستوي من اكتوى بنار السياط مع من اكتفى بعدها، أو التأقلم أو النجاة الفردية”؟
الحقل الأخلاقي فيه صعوبة القياس واستحالة الحسم النهائي، إذاً فلننظر إلى السوق الإعلامية السورية اليوم بوصفها فضاء مفتوحاً، أو “جزيرة خبرية” تتزاحم فيها الفرص والرهانات.
هل فرص النجاح تصيب من تألم أكثر، أم من استثمر عمره وجهده في تعلم هذه المهنة: خبراً وصورة، لغة وحضوراً، حساُ ومهارة.
ثمة واقعياً من ارتضى أن يبقى في حدود الوظيفة الباردة صحفياً، فلا هو غادر ماضيه، ولا تطلع إلى مستقبله المهني.
فكيف يمكن، والحال هذه، أن تضيع بوصلة صحفي وسط هذا الزخم الإعلامي الذي تشهده سوريا؟ الأبواب تبدو مشرعة أمام الجميع، فلماذا نضيق المتسع ونحصر المنافسة في الإعلام الحكومي..؟.
” من يتقاضى راتباً بمئات الدولارات، لا يملك بيتاً يأويه، ولا استقراراً يطمئنه، ويعمل ضمن عقود موسمية مشبعة بالخوف من نهاياتها، وبدايات محاطة بمخاطر السياسة والمهنة وتقلباتهما معاً، لا يقف على أرض صلبة. فيما يستفرد قرينه بوظيفة مستقرة، ليس بها زخماً، هذا خياره، لعوامل ذاتية، رغم أنه يعيش على أرض خبرها، وشوارع حفظها، وبيوت ومؤسسات عرف شبابيكها وزوايا حكاياتها، أينما ولى قلمه وأشعل حواسه نال شرف ريادة المهنة.
صانع القرار الإعلامي وجد في الصمت فضيلة. ترك الباب موارباً تجنباً للصدام مع كتلة الصحفيين القدامى. لا مصلحة في دفعهم إلى موقع الخصومة الكاملة.
والأرجح، استنتاجاً، أن ثمة محاولة لخلق بيئة موازية، عبر تشجيع حضور المؤسسات الإعلامية الخاصة وترخيصها، لعلها تسهم في إنتاج التحولات المطلوبة، وتخفف العبء عن البنية الحكومية، عين الجميع ورغبتهم.
إذا صحت الأرقام المتداولة عن ترخيص أكثر من 3500 منبر ووسيلة إعلامية، فإننا نكون أمام سوق واسعة وواعدة. فكل منبر يشترط إدارة خبيرة، وكادر، ومراسلين، ومحررين، وفنيين، ودينامية عمل كاملة.
من حيث المبدأ، يبدو هذا التوسع مدخلاً لتخفيف الاختناق في ملف الأجور وتفاوتها، لأن السوق حين تتسع تخلق فرصاً إضافية للحركة والاختيار والمنافسة.
ربما تحمل الوعود الحكومية شيئاً من بوادر الانفراج، إذا اقترنت بزيادات فعلية، لتتحول بدل المهمات والحوافز، إلى جانب الاستقرار الوظيفي، ودورات التأهيل المجانية، وتوفير وسائط النقل، وعوامل السلامة المهنية، إلى عناصر تخفي المواجع وتدفعها خلفاً.
الإشكالية بأحد أوجهها، أبعد من الحالة السورية. فالصحافة كمؤسسة، لا تنسجم بسهولة مع القواعد الجامدة، ولا مع سلالم الأجور الميكانيكية، ولا مع تعريفات التوظيف التقليدية.
في جوهرها، تريد النجاح، حتى لو كسرت المألوف عرفاً، كسب الناس، والوصول إليهم، والتأثير فيهم، أولويتها. الهدف الأكبر ممثلاً بالفوز بالخبر، والوصول عبر الحدود والجغرافيا، والثقافات أيضاً.
ظاهرة “الصحفي النجم” في كل مكان قبلة المؤسسات. هذا النوع من الصحفيين لا يخضع بسهولة للمقارنات الجامدة، ولا يستقيم قياسه بالسلالم المعتادة. المشهد هنا أقرب إلى منطق أندية كرة القدم، الانتماء وطنياً بالجغرافياً، لكن قواعد اللعبة تحكمها القدرة على اقتناص النجوم، وصناعة الفارق، وتحقيق الفوز.
لا يعود العمر هو المسألة، السوق يفرض شروط العرض والطلب، المؤسسة تراهن على التأثير والحسم وصناعة القيمة.
إذا كنا نريد لصحافتنا النجاح، فعلينا الاعتراف بقواعد اللعبة
الرؤية الإعلامية السورية تنحو ذلك، حتى في ملف المنشقين الإعلاميين و القدامى وصولاً إلى شباب الثورة و النشطاء. .
ثمة أجواء، توحي بأن الأبواب مشرعة لكل راغب في العودة إلى مؤسسته الإعلامية، مع تعويضات عن السنوات السابقة، لكنها في المحصلة، ليست مغرية.
فالتعويضات، حين تترجم إلى رواتب زهيدة وفرص باهتة، لن تكفي لاستعادة كثيرين، ولن تدفعهم إلى العودة أو إلى التقاعد المبكر أو إلى خوض منافسة جديدة في سوق الإعلام. ثمة مخاطرة لا يحبذها من اعتاد الانتظار والترقب.
أسئلة العدالة تطرح مجدداً، لكن هذه المرة بصيغة مختلفة، فالقرار شخصي، ولا يمكن تعليق تبعاته كلها على شماعة” المظلومية” لأن جزءا من العبء انتقل بالفعل إلى ملعبنا كصحفيين.
لماذا ليس وزيراً أو مديراً؟.
الأول مرهون بقرار سياسي، دع عنك المنافسة والترقب، فيما الإدارة ليس ثمة منع مباشر. بقدر ما يرتبط بالخضوع للغة السوق الإعلامية نفسها، وهل تنافس على إدارة براتب ترفضه مسبقا؟
ليكن السوق هو الفاصل ففي نهاية المطاف، بين الراغبين الكثر.
نقل النقاش غير المعلن، لواقع المصارحة، أحد الحلول التي يمكن البناء عليها، فالدولة يميزها الشفافية والعلنية، وليس في أدراجها ما تستحي قوله، أبعد من ذلك، واجب المكاشفة فيما أنتجت سياسة التراخيص من فرص عمل للصحفيين ومعدلات الرواتب في المؤسسات الناشئة، ومصارحة الجميع بالخطة المعتمدة، ومخرجاتها، فيقرر الصحفي الأنسب له مهنياً ومالياً.
هل ستنتهي المعاناة، أبداً، ربما تخلق السوق الإعلامية أوجه جديدة، لكن هذه المرة، ننتقل من “النق” لوجوب المبادرة ومن التسريب والتذمر، إلى المعالجة، وسط المتاح، سواء عن طريق اتحاد الصحفيين كنقابة مهمتها الدفاع عن منتسبيها، أم تجريب أدوات منضبطة في الحوار، وتشخيص واقع السوق الإعلامي، وإيصال الرسائل العلنية، وصولا لتحقيق الهدف.





