تكتسب مشاركة الرئيس أحمد الشرع في قمة الاتحاد الأوروبي الطارئة، المنعقدة في العاصمة القبرصية نيقوسيا، بعداً اقتصادياً استراتيجياً يتجاوز مجرد حضور بروتوكولي.
وقد أكد الرئيس الشرع خلال كلمته في القمة ومؤتمره الصحفي، أن هذا الاجتماع يمثل “لحظة نضج سياسي واستراتيجي” تكرس واقعاً جيوسياسياً جديداً يتجاوز الأطر التقليدية، مشدداً على أن أمن القارة الأوروبية واستقرار المنطقة يشكلان توازناً لا يقبل التجزئة، وهو ما يفرض العمل بروح الشراكة والمسؤولية الجماعية.
زيارة الرئيس الشرع تأتي لتعيد الضوء إلى اتفاقية التعاون بين سوريا والاتحاد الأوروبي لعام 1978، والتي كانت المظلة القانونية التي تمنح المنتجات السورية مزايا تفضيلية في الأسواق الأوروبية. واليوم، لن يكون الهدف تفعيل النصوص القديمة فحسب، بل تحديثها بما يواكب متطلبات الاقتصاد الحديث لتصبح “المسار الحتمي والملاذ الآمن” لاستدامة تدفقات الطاقة وضمان أمن الإمدادات العالمية، وخاصة مع توجه الجانب السوري لجذب الاستثمارات الأوروبية النوعية في مجالات الطاقة المتجددة والرقمنة، بما يعزز كفاءة الإنتاج المحلي ويرفع جودته ليطابق المعايير الأوروبية.

وفي خطوة عملية تعكس رؤية دمشق لتموضعها الجديد، وضع الرئيس الشرع “مبادرة البحار الأربعة وممراتها التسعة” بتصرف الشركاء في المتوسط والخليج العربي، لتكون سوريا الشريان البديل والآمن الذي يربط آسيا الوسطى والخليج بقلب القارة الأوروبية. وتكتسب هذه المبادرة أهمية قصوى في ظل التحديات التي تضرب عصب التجارة العالمية، ولا سيما مخاطر إغلاق مضيق هرمز، ما يحوّل الجغرافيا السورية من مجرد “قدر” إلى “قرار” استراتيجي يضمن تدفقات الطاقة والسلع.
اختيار قبرص كمنصة لانطلاق هذه القمة يضيف بعداً استراتيجياً للزيارة، فالجزيرة الأوروبية تمثل عضواً قادراً على فهم تعقيدات الملف السوري وأهمية دوره في ضمان استقرار حوض المتوسط وتأمين خطوط الملاحة. وقد وضع الرئيس الشرع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته بربط نجاح هذا المسار الاقتصادي بضرورة وقف الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة للسيادة السورية، مؤكداً أن التزام الشركاء الأوروبيين بأمن سوريا هو حجر الزاوية لحماية مسار التعافي وإعادة الإعمار الذي تنشده هذه الشراكة.
ورغم الفرص الواعدة، تبقى التساؤلات حول قدرة الهياكل الإنتاجية السورية على الاستفادة من هذا الانفتاح قائمة، فنجاح الزيارة يعتمد على مدى استعداد المؤسسات الاقتصادية السورية لتقديم مشاريع قابلة للاستثمار الأوروبي، تتجاوز العقليات البيروقراطية التقليدية، وتستثمر البيئة الحالية لجذب الرساميل، بما يحوّل الاستقرار السياسي والأمني إلى أداة اقتصادية تدعم النمو المحلي.
باختصار، تمثل زيارة الرئيس الشرع إلى نيقوسيا نقطة تحول محتملة في العلاقات السورية الأوروبية، تنطلق من فكرة المصالح المتبادلة. وإذا كانت نيقوسيا هي البداية، فإن الأنظار تتجه الآن نحو بروكسل في الحادي عشر من أيار المقبل، لتدشين الحوار السياسي السوري الأوروبي رفيع المستوى؛ حيث يفصلنا “17 يوماً من العمل المكثف” عن ترسيخ دور سوريا كشريك استراتيجي يسهم في بناء مستقبل القارة الأوروبية وضمان استقرار المنطقة.
الوطن ـ أسرة التحرير








