كشف الخبير في التنمية المستدامة “محمد محمد مظهر أحمد” عن وجود تحدِ تواجهه دمشق في مجال الأمن المائي، فالمياه في دمشق لم تعد مجرد ملف خدمي، بل أصبحت قضية أمن قومي بكل ما تعنيه الكلمة.
وفي تصريح لـ”الوطن” قال ” مظهر أحمد”: خلال الأيام الماضية، أعادت غزارة مياه نبع عين الفيجة إلى أذهان السوريين صورة دمشق القديمة التي كانت تعيش على وفرة الماء وبركته، لكن الحقيقة التي يجب أن ندركها اليوم هي أن زمن الاعتماد على الوفرة الطبيعية وحدها قد انتهى، وأن المستقبل يحتاج إلى إدارة استراتيجية للنعمة قبل أن تتحول إلى أزمة.
وأكد ” مظهر أحمد” أن دمشق تمتلك نعمة استثنائية اسمها نبع عين الفيجة، لكنها تحتاج إلى عقلية إدارة استراتيجية تشبه عقلية النبي يوسف عليه السلام في إدارته لسنوات الجفاف لتفادي الكارثة في ذلك الوقت، والتي تقوم على تخزين الفائض، وحماية المورد، والاستعداد لسنوات الشح قبل وقوعها، مشيراً إلى أن المعلومات المتداولة حول خزانات المياه في جبل قاسيون تؤكد أن دمشق امتلكت منذ عقود رؤية هندسية ذكية لإدارة المياه، وذلك أن خزانات الوالي والفواخير وقاسيون لم تكن مجرد خزانات تقليدية، بل جزء من منظومة تعتمد على التخزين المرتفع، والتوزيع بالجاذبية، وحماية المياه من الشمس والتلوث، والحفاظ على نقائها وبرودتها الطبيعية.

وأضاف: كما أن الإجراءات الصارمة المفروضة في منطقة عين الفيجة ووادي بردى، ومنع التوسع العمراني والصرف الصحي ضمن حرم الينابيع، تعكس إدراكاً مبكراً لحساسية الأمن المائي للعاصمة، محذراً من أن التحديات اليوم أصبحت أكبر بكثير، فالنمو السكاني، والتغير المناخي، وتراجع الهطل، واستنزاف المياه الجوفية، كلها عوامل تجعل من الضروري الانتقال من مرحلة “إدارة التوزيع” إلى مرحلة “إدارة الأمن المائي الاستراتيجي”.
وتابع قائلاً: من هنا أرى أن مستقبل دمشق يجب أن يقوم على مشروع وطني كبير يمكن تسميته “البطارية المائية الجبلية”، أي تحويل الجبال المحيطة بالفيجة وقاسيون إلى منظومة تخزين استراتيجية مغلقة تحفظ فائض المياه في سنوات الخير، تماماً كما حفظ يوسف عليه السلام القمح في سنابله.
وبين أن الفكرة تقوم على إنشاء خزانات صخرية داخل الجبال، وأنفاق مائية محمية، وتخزين تحت سطحي بعيد عن التبخر والتلوث، والاستفادة من مواسم الغزارة لتأمين احتياطي يكفي العاصمة لأشهر طويلة.
وقال ” مظهر أحمد”: مستقبل دمشق المائي لن تحدده كمية الأمطار فقط، بل ستحدده قدرتنا على فهم معنى النعمة وكيفية حفظها قبل أن تصبح نادرة.








