تتسع تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لتتجاوز ساحات المواجهة العسكرية المباشرة، وتطول قطاعات حيوية في المنطقة والعالم، من التعليم والثقافة والإعلام إلى الملاحة والطاقة والتجارة الدولية، في مشهد يعكس طبيعة الحروب الحديثة التي تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي والبنى المدنية والبنية التحتية الرقمية.
وفي هذا السياق، حذرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” اليوم الثلاثاء، من التداعيات المتزايدة للتصعيد العسكري على قطاعات التعليم والثقافة والإعلام في الشرق الأوسط، مشيرة إلى أن استمرار الأعمال العدائية يهدد سلامة المؤسسات التعليمية والعاملين فيها ويعرض البنى التحتية المعرفية والثقافية لخطر متزايد.
وأكدت المنظمة أن الطلاب والمعلمين ومرافق التعليم ووسائل الإعلام باتوا أكثر عرضة لتأثيرات التدهور الأمني في المنطقة، مشددة على أن تصاعد العمليات العسكرية يثير مخاوف جدية بشأن استمرارية الأنظمة التعليمية وسلامة بيئات التعلم وإمكانية الوصول إلى المعلومات.

كما لفتت إلى أن المواقع البيئية والنظم الإيكولوجية الهشة أصبحت أكثر عرضة للتضرر في ظل الأنشطة العسكرية المتصاعدة، داعية جميع الأطراف إلى احترام القانون الدولي وحماية المدارس والطلاب والصحفيين والعاملين في القطاعات المعرفية.
وبالتوازي مع ذلك، بدأت آثار الحرب تظهر في الفضاء الإلكتروني والتقني، مع تصاعد ظاهرة التشويش على أنظمة تحديد المواقع العالمية (GPS)، ما أدى إلى اضطرابات في الملاحة الجوية والبحرية في منطقة الخليج، وتشير تقارير من عدة دول خليجية إلى شكاوى متزايدة من مستخدمي خدمات الملاحة وتطبيقات التوصيل نتيجة تزييف الإشارات أو التشويش عليها في إطار الحرب الإلكترونية المصاحبة للصراع.
وحذر الاتحاد الدولي للنقل الجوي من أن تزييف إشارات أنظمة الملاحة يشكل خطراً متزايداً على سلامة الطيران المدني، إذ قد يؤدي إلى انحراف مسارات الطائرات أو حدوث أخطاء في تحديد مواقعها أثناء التحليق أو الهبوط، كما أظهرت بيانات منصات تتبع حركة الطيران أن عمليات تزييف إشارات الملاحة تؤثر بشكل متكرر في الرحلات الجوية في أجواء الخليج العربي.
ولم تقتصر الاضطرابات على الطيران، بل امتدت إلى حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل الطاقة في العالم، حيث تمر عبره نحو 20 بالمئة من تجارة النفط العالمية، وأفادت منصات متخصصة في تتبع حركة الطاقة بأن بعض ناقلات النفط باتت تتريث قبل عبور المضيق بسبب عدم دقة إشارات الملاحة، بينما دعت جهات بحرية البحّارة إلى استخدام وسائل ملاحة تقليدية كخيار احتياطي.
وعلى الصعيد الاقتصادي، انعكست التطورات العسكرية في المنطقة على أسواق الطاقة العالمية، ولا سيما في أوروبا التي تواجه تحديات متزايدة في تأمين احتياجاتها من الطاقة، ومع تعطل بعض الإمدادات وارتفاع أسعار الغاز، بدأ الفحم يعود تدريجياً كخيار مؤقت لتوليد الكهرباء في بعض الدول الأوروبية.
وتشير بيانات أسواق الطاقة إلى ارتفاع أسعار الفحم الحراري المستخدم في محطات الكهرباء بنحو 20 بالمئة منذ بدء الحرب، وسط توجه بعض الدول للبحث عن بدائل للغاز الطبيعي، ورغم أن الفحم يعد من أكثر مصادر الطاقة تلويثاً للبيئة، إلا أن الضغوط الاقتصادية وارتفاع أسعار الغاز يدفعان بعض الحكومات إلى إعادة النظر في استخدامه كخيار مرحلي لضمان استقرار إمدادات الكهرباء.
أما خارج الشرق الأوسط، فتبدو إفريقيا من بين المناطق الأكثر عرضة للتداعيات غير المباشرة للحرب، إذ يعتمد العديد من دولها على استيراد الطاقة والسلع الأساسية عبر الممرات البحرية المرتبطة بالمنطقة، ومع ارتفاع أسعار النفط والاضطراب المحتمل في طرق التجارة الدولية، تتزايد المخاوف من ارتفاع تكاليف النقل والطاقة، وما قد يرافق ذلك من موجة تضخم جديدة في عدد من الاقتصادات الإفريقية الهشة.
وفي ظل هذه التحديات، تتجه الحكومات الإفريقية إلى تبني سياسة حذرة تقوم على تجنب الاصطفاف مع أي من أطراف الصراع، مع الدعوة إلى ضبط النفس واحتواء التصعيد، خشية أن تتحول الحرب إلى عامل إضافي يفاقم الضغوط الاقتصادية ويهدد استقرار سلاسل الإمداد العالمية.
وبين اضطراب الملاحة الرقمية وارتفاع أسعار الطاقة وتزايد المخاطر على التعليم والثقافة والتجارة، تكشف تطورات الحرب في الشرق الأوسط عن اتساع نطاق تأثيراتها، في وقت باتت فيه الصراعات الحديثة تتجاوز حدود الجغرافيا العسكرية لتطول الاقتصاد العالمي والبنى المدنية والتكنولوجية على حد سواء.
الوطن – أسرة التحرير








