أشار الخبير في الاقتصاد السياسي الدكتور يحيى السيد عمر أن زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى موسكو تأتي في مرحلة دقيقة من تاريخ سوريا، بعد سنوات طويلة من التعاون والدعم الروسي للنظام البائد.
وقال السيد عمر في تصريح لـ”الوطن” اليوم الأربعاء: “تُعدّ هذه الزيارة فرصة لإعادة رسم العلاقة بين دمشق وموسكو على أُسس جديدة تُراعي السيادة الوطنية والاعتبارات الواقعية، فالحكومة السورية حريصة على تحويل إرث السنوات الماضية إلى شراكة عملية تُركّز على المصالح المشتركة، بما يشمل الملفات الأمنية والاقتصادية، مع تعزيز قدرة الدولة على اتخاذ قراراتها بحُرّية نسبية من دون التأثُّر المفرط بالتوجُّهات الخارجية”.
وأوضح أن دمشق تهدف من خلال اللقاء إلى صياغة علاقة متوازنة تُتيح الاستفادة من الدعم الروسي، مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني، مشيراً الى أن العلاقات السابقة مع موسكو كانت تحمل عناصر تَبعية، من دون أن تعكس مصالح الدولة السورية بشكل كامل؛ إذ كانت تميل لمصلحة موسكو أكثر من دمشق، أما المرحلة الحالية فتتطلب إعادة تقييم الأولويات بما يتماشى مع سياق جديد يُركّز على إعادة الإعمار، وتأمين مصادر الطاقة، وجذب الاستثمارات، حيث تعمل الحكومة السورية على وَضع قواعد واضحة للتعاون، تمنع أيّ تدخُّلات قد تستغل النفوذ الروسي لأغراض غير مُعلَنة، أو لتأجيج أيّ صراعات داخلية.

وتابع السيد عمر بالقول:” على الصعيد السياسي الخارجي، تُمثّل الزيارة فرصة لسوريا لتوسيع شبكة علاقاتها الدولية من دون قطع الصلات مع الحلفاء التقليديين، مع التركيز على ملفات حساسة؛ مثل: إعادة تفعيل البنية التحتية، ومعالجة الأزمات الاقتصادية، وتأمين مصادر الطاقة، كما يسعى القادة السوريون إلى أن تقوم العلاقة مع موسكو على المصالح الواقعية المشتركة والتوازن الإستراتيجي”.
وبين أن الزيارة تأتي في ظل تحوُّلات إقليمية ودولية وتَغيُّر موازين القوى، حاملة فرصة لدمشق لتعزيز مكانتها الإقليمية، وتنويع خياراتها الدولية، وتحقيق توازن بين مصالحها الوطنية وعلاقاتها مع القوى الكبرى لدعم الاستقرار الاقتصادي والسياسي.
وأشار إلى أنه من الناحية الاقتصادية، فإن سوريا تُركّز على ملفات إعادة الإعمار التي تحتاج إلى دَعم دولي ملموس، خصوصاً في القطاعات الحيوية مثل الكهرباء والمياه والنقل والبنية التحتية الصناعية، إذ تُعدّ موسكو شريكًا أساسيّاً في هذا المجال، سواء من خلال التمويل المباشر أم عبر تقديم خبرات فنية وتقنية، مضيفا إن الجانب السوري يسعى إلى تشجيع الاستثمارات الروسية في مشاريع إستراتيجية، بما يُسهم في تعزيز النمو الاقتصادي وتخفيف حدة الأزمات المالية التي تواجهها البلاد.
وقال السيد عمر:” في الملف الأمني، تُتيح الزيارة بحث التعاون في مكافحة الإرهاب والتطرف، ومتابعة الملفات المتعلقة بالاستقرار الداخلي، بما يشمل تعزيز القدرات العسكرية والأمنية للدولة، ويأتي ذلك في سياق سعي دمشق إلى تأمين بيئة مستقرة تسمح بإعادة الحياة الاقتصادية والاجتماعية إلى طبيعتها، مع تقليل أيّ مَخاطر محتملة تنشأ عن تحركات غير متوقعة لعناصر مرتبطة بالنظام البائد”.
السيد عمر أوضح أن ملف الوجود العسكري الروسي في الساحل السوري يأتي ضمن أولويات البحث خلال الزيارة، مع التركيز على استقراره بما يخدم الأمن الإقليمي، ويُعزّز الشراكة الإستراتيجية بين دمشق وموسكو، حيث تسعى السلطات السورية إلى ضمان أن يتماشى هذا الوجود مع مصالحها الوطنية وأولوياتها الأمنية، بعيداً عن أيّ تبعية غير متوازنة.
وختم بالقول:” تُمثّل زيارة الرئيس الشرع لموسكو خطوة إستراتيجية تعكس رغبة دمشق في إعادة صياغة علاقاتها الدولية بما يخدم أولوياتها الوطنية، مع الحفاظ على التوازن بين المصالح المحلية والدولية، وتعزيز استقلالية القرار السوري، واختبار قدرة الدولة على تحويل العلاقات التقليدية إلى شراكات عملية تُعزّز الاستقرار والتنمية”.
الوطن








