يرى الخبير في الاستراتيجيات المالية والمخاطر الدكتور صالح أشرم أن زيارة الرئيس أحمد الشرع الثالثة إلى أميركا تختلف عن زيارة نيويورك في العام الماضي، والسبب أن الولايات المتحدة أنهت برنامج العقوبات الاقتصادية الشاملة على سوريا منذ تموز 2025، ثم أزيلت سوريا رسمياً من قائمة الدول الراعية للإرهاب في آب 2026، وفي هذا الشهر بالتحديد أُسقطت آخر القيود المتبقية بموجب قانون الأسلحة الكيميائية، بما فيها قيود مبيعات السلاح والتمويل المرتبط بها، ذلك، فإن هذه الزيارة ليست لإزالة العقوبات، وإنما لجذب رؤوس الأموال.
رفع العقوبات يخفض المخاطر.. ولكن
ويشير أشرم إلى أن هذا التغيير مهم لأنه يخفض المخاطر المتعلقة بسوريا والمخاطر التنظيمية الأخرى التي كانت تمنع كثيراً من الشركات والمصارف الدولية من اتخاذ قرارات استثمارية طويلة الأجل.
لكن رفع العقوبات، حسب أشرم، لا يعني تدفق رأس المال بشكل مباشر، لأن المستثمر يحتاج إلى قانون استثمار قابل للتطبيق، وحماية للعقود وحقوق الملكية، ونظام مصرفي قابل للتعامل دولياً، ووضوح جمركي، وآليات لتحويل الأرباح وتمويل المشروعات.
من الدبلوماسية الاقتصادية إلى التنفيذ
وهنا تظهر أهمية توقيت الزيارة، إذ قادت غرفة التجارة الأميركية قبل أيام فقط أول بعثة أعمال أميركية إلى سوريا، بمشاركة 50 شركة وأكثر من 80 ممثلاً. وقال مسؤول أميركي إن شركات مثل Chevron وHKN وVisa وMastercard بدأت خطوات للدخول إلى السوق أو أبرمت اتفاقات مع أطراف سورية.
لذلك، يمكن النظر إلى الزيارة على أنها محاولة للانتقال من الدبلوماسية الاقتصادية إلى التنفيذ الاقتصادي، أي من العلاقات السياسية إلى مذكرات التفاهم، ثم دراسات الجدوى، وترتيب التمويل، والإغلاق المالي للمشروعات، وأخيراً تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر.
القطاع المالي في قلب المعادلة
ويؤكد أشرم أن القطاع المالي سيكون حاسماً في هذه المعادلة، إذ يرى صندوق النقد الدولي أن التعافي السوري يتسارع، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن إعادة تأهيل القطاع المصرفي وتعزيز مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب أمران ضروريان لإعادة دمج سوريا في النظام المالي الدولي.
كما وافق البنك الدولي في آب 2026 على منحة بقيمة 100 مليون دولار لتحديث القطاع المالي والبنية التحتية للمدفوعات والمساعدة في إعادة تأهيل المصارف.
قطاعات أمام اختبار الاستثمار
ولهذا، فإن القيمة الاقتصادية الحقيقية للزيارة، حسب أشرم، لن تُقاس بعدد الاجتماعات أو التصريحات، وإنما بقدرة سوريا على تحويل الانفتاح الأميركي إلى مشاريع قابلة للتمويل والتنفيذ.
وفي تقديره، فإن الطاقة، والبنية التحتية، والنقل والطيران، والاتصالات، والخدمات المالية والمدفوعات، وإعادة الإعمار، هي المجالات التي يمكن أن يظهر فيها هذا التحول بصورة أوضح.
توقعات تحتاج إلى واقعية
وفي المقابل، يشدد أشرم على ضرورة عدم المبالغة في التوقعات، فالاقتصاد السوري ما زال يواجه قيوداً مصرفية وتمويلية، في ظل استمرار إدراج سوريا على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي FATF.
وبالتالي، يمكن اختزال أهمية الزيارة اقتصادياً في جملة واحدة: إنها ليست زيارة للحصول على قرار رفع العقوبات، فهذا الجزء قُطع بدرجة كبيرة، وإنما زيارة لاختبار ما إذا كان رفع العقوبات يمكن أن يتحول إلى رأسمال، وتمويل، وتكنولوجيا، ومشروعات منتجة داخل سوريا.









