تشهد سوريا في هذه المرحلة الدقيقة نقاشاً وطنياً واسعاً حول السياسات المثلى لدعم القطاع الصناعي، ولا سيما في ظل تباين الآراء بين من يدعو إلى إغلاق الأسواق حمايةً للمنتج المحلي، ومن يطالب بفتحها بالكامل بدعوى تحرير المنافسة وتعزيز الكفاءة.
غير أن القراءة المتأنية للتجارب الاقتصادية العالمية المماثلة، ولخصوصية المرحلة التي تمر بها البلاد، تقود إلى نتيجة جوهرية مفادها أن الطريق الأكثر حكمة لا يكمن في وجهة نظر أحد الفريقين المتقابلين، بل في تبني نهج متوازن يقوم على الحماية الذكية والمؤقتة من جهة، والانفتاح التدريجي والمدروس من جهة أخرى، ضمن رؤية وطنية واضحة المعالم والأهداف.
وقبل أن أدخل في تفنيد هذه المسألة أود أن أبيّن أولاً أنني متفائل بمستقبل الصناعة السورية، فالصناعي السوري أثبت عبر تاريخه الطويل أنه ذكي، مرن، وقادر على الابتكار والتكيف، ولأن الحكومة الوطنية اليوم تُظهر إرادة حقيقية في تمكين وتبني هذا القطاع وقيادته نحو النجاح.

إن الاقتصادات الخارجة من أزمات عميقة لا تستطيع أن تنتقل مباشرة إلى سوق مفتوح بالكامل، كما أنها لا تستطيع، في الوقت ذاته، أن تعيش في عزلة طويلة الأمد. فالحماية المطلقة تُنتج صناعات ضعيفة تعتمد على الجدران الجمركية بدل الاعتماد على الجودة والكفاءة، في حين أن التحرير الفوري قد يؤدي إلى انهيار قطاعات لم تُمنح الوقت الكافي لإعادة بناء قدراتها.
من هنا، يبرز مفهوم” المرحلة الانتقالية” بوصفه الإطار الأنسب لإدارة هذا التوازن، حيث تُمنح الصناعة الوطنية فرصة حقيقية لاستعادة عافيتها، بالتوازي مع إخضاعها لمسار تطوير صارم ومرسوم بعناية يهيؤها للمنافسة في الأسواق الداخلية والخارجية على حد سواء.
إن دعم الصناعة، وفق هذا المنظور، لا يمكن اختزاله في أدوات جمركية أو قرارات إدارية فحسب، بل يجب أن يقوم على منظومة متكاملة من البرامج والسياسات الحكومية. فالدعم المالي والتمويلي يشكلان حجر الأساس عبر توفير قروض ميسرة، وأدوات تمويل للآلات وخطوط الإنتاج، وصناديق لضمان المخاطر، ما يتيح للمصانع تحديث بنيتها الإنتاجية التحتية. وإلى جانب ذلك، تبرز أهمية برامج الابتكار والتطوير الصناعي التي تعزز البحث والتطوير، وتشجع على إدخال منتجات جديدة وتحسين العمليات، وربط المصانع بالجامعات ومراكز البحث العلمي. كما أن برامج التدريب وبناء القدرات البشرية تمثل ركيزة لا غنى عنها، سواء على مستوى العمال والفنيين أو على مستوى الإدارة العليا، بما يضمن ترسيخ ثقافة الجودة والكفاءة والتخطيط الحديث.
وفي عصر التحول الرقمي، يصبح من الضروري إدماج التكنولوجيا في قلب العملية الصناعية عبر دعم الأتمتة والأنظمة الرقمية لإدارة الموارد المتاحة، والحلول الذكية التي ترفع الإنتاجية وتخفض الهدر. كما لا يقل أهمية عن ذلك تنظيم المعارض الصناعية، ودعم مشاركة المصنعين في الفعاليات المحلية والدولية، لما لذلك من دور في فتح قنوات تشبيك وشراكات وتسويق. ويأتي دعم التصدير والتسويق الخارجي كعنصر حاسم لاستدامة النمو، من خلال توفير دراسات أسواق، ومكاتب ترويج تجاري، ودعم تكاليف الشحن والتأمين، وبناء علامات تجارية وطنية قادرة على الحضور في الأسواق الإقليمية والعالمية.
إن نجاح هذه المنظومة يتطلب تكاملاً مؤسسياً، تشارك فيه الوزارات المعنية، والهيئات التنظيمية والتمويلية، والمصارف، والمدن الصناعية، وشركات الكهرباء والطاقة وجهات النقل واللوجستيات، إضافة إلى الجامعات والمعاهد وغرف الصناعة والتجارة ومراكز البحوث ذات الاختصاص. فالصناعة ليست جزيرة معزولة، بل شبكة مترابطة من السياسات والخدمات والبنى التحتية، وأي خلل في إحدى حلقاتها ينعكس سلبًا على المنظومة بأكملها.
وبناءً على ذلك، فإن السياسة السوقية الرشيدة تتمثل في إقرار حماية ذكية ومؤقتة لبعض القطاعات المتضررة، مقرونة بجداول زمنية واضحة لتخفيف هذه الحماية تدريجيًا، وربط أي امتيازات أو حماية ببرامج تطوير إلزامية، مع فتح السوق بشكل متدرج يتناسب مع جاهزية كل قطاع ومقدرته التنافسية. وبهذه الصيغة، تتحول الحماية من عبء يكرس الضعف إلى أداة تحفيز تدفع نحو القوة والتنافسية.
وعليه، فإن الرهان على الصناعة السورية هو رهان على قطاع أثبت قدرته على النهوض كلما توافرت له البيئة المناسبة. وبالتوازن الصحيح بين الدعم والانفتاح، وبالشراكة الصادقة المسؤولة بين الدولة والقطاع الخاص، يمكن لهذا القطاع أن ينتقل من مرحلة التعافي إلى مرحلة النهوض، ومن المحلية إلى الإقليمية، ومن السعي للبقاء إلى صناعة قادرة على الريادة والمنافسة بثقة واقتدار.
عبد الله العلبي- صناعي وخبير في التنمية الصناعية







