عقد مجلس إدارة الهيئة العامة للضرائب والرسوم اجتماعه الثاني عشر لعام 2026، برئاسة وزير المالية محمد يسر برنية، وبمشاركة أعضاء المجلس، حيث ناقش عدداً من المحاور المرتبطة بالعمل الضريبي والإصلاح المالي.
وناقش المجلس آخر التوصيات المقدمة من صندوق النقد الدولي فيما يخص الإفصاح الضريبي، وتعزيز الامتثال الطوعي، والتنسيق مع هيئة مكافحة غسل الأموال، إلى جانب أهمية مراجعة قانون الاستثمار النافذ والحوافز الضريبية التي يتضمنها، وإعادة النظر فيها في ضوء المنظومة الضريبية الجديدة.
كما تطرق المجلس إلى رسوم الإدارة المحلية، وضرورة تشكيل لجنة مشتركة من وزارة المالية والهيئة العامة للضرائب والرسوم لإعادة دراسة هذه الرسوم، بما يحقق العدالة في رسوم الإدارة المحلية.
واطلع المجلس أيضاً على ما تم إنجازه ضمن خطة إنجاز تكاليف عام 2025 وما قبل، وتعديل قانون مكافحة التهرب الضريبي، ومعايير تحديد كبار المكلفين.
وفي هذا السياق، يرى الخبير في الاستراتيجيات المالية والمخاطر الدكتور صالح أشرم أن الاجتماع يعكس انتقال الإصلاح المالي في سورية من مرحلة معالجة الإيرادات قصيرة الأجل إلى بناء بنية مؤسسية أكثر استدامة.
ويشير إلى أن النقاش حول الإفصاح الضريبي، والامتثال الطوعي، وتبادل المعلومات مع مكافحة غسل الأموال، ومعايير كبار المكلفين، إلى جانب رسوم الإدارة المحلية، يعكس محاولة لتوسيع القاعدة الضريبية بدلاً من الاعتماد على زيادة معدلات الضرائب.
ويعتبر أشرم أن ذلك يتسق مباشرة مع توصيات صندوق النقد الدولي خلال 2026، الذي ركز على تعبئة الإيرادات، وإصلاح الإدارة الضريبية والجمركية، والحد من الإعفاءات، وتحسين إطار مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، باعتبارها عناصر أساسية لإعادة بناء المالية العامة السورية.
الحوافز الضريبية.. جذب الاستثمار واستدامة الخزينة
ويبرز ضمن الملفات التي ناقشها المجلس ملف الحوافز الضريبية الواردة في قانون الاستثمار، حيث يرى أشرم أن هذه المسألة تحمل أهمية اقتصادية خاصة، موضحاً أن سورية تحتاج إلى جذب رأس المال الخاص في مرحلة إعادة الإعمار، لكن الحوافز غير المستهدفة قد تتحول من أداة لجذب الاستثمار إلى تكلفة دائمة على الخزينة.
ويرى أن الاتجاه نحو حوافز أكثر ارتباطاً بنوع الاستثمار ونتائجه، مع شفافية أكبر في تكلفة الإعفاءات، سيكون مهماً لتحقيق التوازن بين جاذبية الاستثمار والاستدامة المالية، مشيراً إلى أن ذلك يتطابق مع الاتجاه الذي يدفع إليه صندوق النقد في إصلاح النظام الضريبي السوري.
تنسيق الضرائب والجمارك ومكافحة غسل الأموال
وتابع المجلس عمل اللجنة المشتركة التي تم تشكيلها مؤخراً من الفنيين والتقنيين من الهيئة العامة للضرائب والرسوم والهيئة العامة للمنافذ والجمارك، بهدف تبادل المعلومات الفنية والتقنية وتعزيز التنسيق بين الجهتين.
كما تم استعراض التقدم في خطة التوظيف والبرنامج التدريبي للموظفين الجدد.
ويرى أشرم أن الربط بين الضرائب والجمارك والمنافذ ومكافحة غسل الأموال يمثل جزءاً من بناء منظومة مالية قابلة للاندماج مع النظام المالي الدولي.
ويشير إلى أن صندوق النقد أكد أن تعزيز إطار مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب يمثل شرطاً مهماً لتسهيل التدفقات المالية والاستثمارية وإعادة الاندماج المالي الدولي، مع العلم أن سورية لا تزال مدرجة على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي FATF.
إصلاح ضريبي يصل إلى المكلف
وفي ختام الاجتماع، ناقش المجتمعون خطة افتتاح وإعادة تفعيل عمل بعض مديريات المال في المناطق المتضررة، ما يسهم في تخفيف الأعباء عن المكلفين.
ويرى أشرم أن إعادة تفعيل مديريات المال في المناطق المتضررة تكمل الصورة، موضحاً أن الإصلاح الضريبي لا ينبغي أن يكون مركزياً ورقمياً فقط، بل يجب أن يصل إلى المكلف نفسه ويخفض تكلفة الامتثال عليه.
ويخلص إلى أن اختبار نجاح هذه الإصلاحات سيكون في قدرتها على توسيع القاعدة الضريبية، وتقليل الاقتصاد غير المنظم، ورفع الامتثال الطوعي، وتحقيق قدر أكبر من العدالة الضريبية دون إضعاف الاستثمار الخاص.
ويضيف: «ما يحدث الآن هو بناء البنية التحتية المالية للاقتصاد السوري الجديد».
ويكتسب ذلك أهمية، وفق أشرم، مع بدء سورية التحرك نحو اقتصاد أكثر انفتاحاً واستقطاباً للاستثمار، بينما يشير صندوق النقد إلى تحسن ملموس في الإيرادات الضريبية والجمركية خلال النصف الأول من 2026.
كما أن مشروع تحديث القطاع المالي الذي أقره البنك الدولي في آب 2026 بقيمة 100 مليون دولار يستهدف جعل المعاملات المالية أكثر أماناً وسرعة وشفافية، وهو ما يجعل إصلاح الضرائب والجمارك ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب جزءاً من مسار واحد، وليس ملفات منفصلة.
ومن ثم، فإن اجتماع مجلس إدارة الهيئة لا يمثل مجرد تحديث إداري، بل حلقة إضافية في عملية أوسع لإعادة بناء الدولة المالية السورية وربطها بالاقتصاد العالمي.









