مع انطلاق العام الدراسي الجديد، استقبلت المدارس طلابها حاملين حقائبهم ودفاترهم، ينطلقون لبدء فصل جديد من مسيرتهم التعليمية، وسط آمال وطموحات تتجدد مع كل عام دراسي.
ولا تمثل العودة إلى مقاعد الدراسة مجرد انتهاء للعطلة والانتقال إلى أجواء الالتزام والواجبات، وإنما تشكّل فرصة جديدة للطلبة من أجل التعلم واكتشاف قدراتهم ومواهبهم، وتجاوز ما واجهوه من صعوبات، والانطلاق نحو أهدافهم بخطوات أكثر ثقة وتنظيماً.
وفي تصريح لـ”الوطن”، أكد الأستاذ في علم الاجتماع، باكير باكير أن نجاح الطالب دراسياً لا يرتبط فقط بدرجاته ونتائجه في الاختبارات، بل يبدأ من قدرته على بناء عادات يومية تساعده على التعلم والاستقرار النفسي، وفي مقدمتها تنظيم الوقت، والالتزام بالحضور، وإنجاز الواجبات، وتخصيص وقت للقراءة، إلى جانب عدم التردد في طرح الأسئلة وطلب المساعدة عند مواجهة أي صعوبة.
وأوضح باكير أن اضطراب النوم والسهر الطويل يأتيان في مقدمة العوامل التي يمكن أن تؤثر في تركيز الطفل واستعداده للتعلم، ولا سيما خلال الأيام الأولى من العام الدراسي، إذ يحتاج الجسم إلى الانتقال تدريجياً من نمط الإجازة إلى روتين الدراسة.
وأضاف: “من هنا تأتي أهمية تثبيت مواعيد النوم والاستيقاظ، وتجنب الأنشطة المحفزة قبل النوم، خصوصاً الاستخدام الطويل للهواتف والأجهزة الإلكترونية والألعاب، بما يساعد الطالب على استعادة نشاطه وقدرته على التركيز والحفظ، وهنا يصبح تنظيم استخدام الأجهزة الإلكترونية جزءاً أساسياً من إدارة اليوم الدراسي، من خلال وضع قواعد واضحة بالتعاون مع الأبناء، وتحديد أوقات مناسبة لاستخدام الهاتف والألعاب، مع منح الطالب مساحة للمشاركة في إعداد جدوله اليومي، بما يعزز لديه الشعور بالمسؤولية والالتزام”
ونصح باكير الطلبة بوضع أهداف واضحة للعام الدراسي، سواء كانت تحسين المستوى والدرجات، أو اكتساب مهارات جديدة، او المشاركة في الأنشطة الرياضية والثقافية والاجتماعية، مؤكداً أن تحديد الهدف يساعد الطالب على معرفة ما يريد تحقيقه ومتابعة تقدمه بصورة أكثر وضوحاً.
كما أشار إلى أن بعض الطلبة قد يشعرون بحالة من القلق أو التوتر نتيجة الانتقال من أجواء الإجازة إلى الالتزام المدرسي، أو بسبب الخوف من الدراسة والاختبارات أو تكوين علاقات جديدة، لنلمس هنا أهمية التشجيع والدعم النفسي، وحث الطالب على النظر إلى العودة إلى المدرسة باعتبارها فرصة للقاء الأصدقاء والتعرف إلى معلمين وزملاء جدد، بدلاً من التركيز على الأفكار السلبية.
كما شدد على أن الاستعدادات لا تقتصر على الجانب النفسي والتنظيمي، إذ يمكن أن تسهم المشاركة في تجهيز المستلزمات المدرسية والكتب والدفاتر في خلق حالة من الحماس والاستعداد لبداية العام، إلى جانب أهمية تناول الأطعمة الصحية التي تمد الجسم بالطاقة وتدعم النشاط والمناعة.
وفي موازاة مسؤولية الطالب، أوضح المدرّس فايز الحنش أن الأسرة تؤدي دوراً محورياً في إنجاح العام الدراسي، فالمتابعة لا ينبغي أن تقتصر على السؤال عن الدرجات والنتائج، وإنما تمتد إلى معرفة ما يتعلمه الأبناء، والصعوبات التي يواجهونها، وحالتهم النفسية وعلاقاتهم داخل المدرسة.
وأكد الحنش أنه لا بد هنا من الإشارة إلى أهمية التواصل المستمر بين الأسرة والمدرسة، وفتح قنوات للحوار حول التحديات التي قد تواجه الطالب، إلى جانب توفير بيئة منزلية مناسبة للدراسة، وتنظيم أوقات الراحة والترفيه والنوم.
وشدد الحنش على أنه من المفيد أن تستبدل الأسرة السؤال التقليدي: «كم حصلت؟» بأسئلة أكثر قرباً من تجربة الطالب، مثل: «ماذا تعلمت اليوم؟» أو «هل واجهتك صعوبة نستطيع مساعدتك في تجاوزها؟»، لأن الطالب يحتاج إلى الشعور بالدعم والثقة أكثر من حاجته إلى المقارنة المستمرة مع الآخرين.
وفي ظل عالم سريع التغير، تتدفق فيه المعلومات وتتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي وتتبدل فيه المهارات المطلوبة في سوق العمل، أكد الحنش على أن التعليم لم يعد قائماً على حفظ المعلومات واسترجاعها في الاختبارات فقط، وإنما بات أكثر ارتباطاً ببناء العقل وتنمية مهارات التفكير والتحليل والإبداع وحل المشكلات، إلى جانب الاستخدام الواعي والمسؤول للتكنولوجيا.
وختم أن مسؤولية المعلم تتعاظم هنا، ولاسيما أن دوره لا يقتصر على نقل المعلومة، بل يسهم في اكتشاف المواهب، وغرس القيم، وبناء شخصية الطالب، مؤكداً أن الطالب قد ينسى بعض تفاصيل الدروس مع مرور الوقت، لكنه غالباً لا ينسى معلماً منحه الثقة، أو كلمة تشجيع أعادت إليه إيمانه بقدرته على النجاح أو منحه الحب.

مصعب أيوب
الوطن -
مواضيع:
المزيد
اخترنا لك
المزيد







