في مفارقة لا تخلو من المرارة، يبدو أن المواطن محدود الدخل سيجد نفسه هذه المرة في خندق “المحظوظين”؛ إذ لم يعد موضوع استبدال العملة وما يرافقه من زحام وتعقيدات تقنية يأخذ حيزاً من وقت تفكيره المنهك أصلاً.
فالمواطن الذي ينفق جل تفكيره في محاولة “ترقيع” “شهره” الذي انتهى فعلياً قبل أن يبدأ مع قرار وزارة المالية بصرف الرواتب مبكراً، لتجهيز إغلاق السنة المالية وإتاحة المجال أمام المصارف لترتيب استحقاقات العملة الجديدة.
إن هذا “الحظ” المفترض حرر الفقير من هموم ملاحقة سقوف الاستبدال اليومي أو الانشغال بالخريطة الجغرافية لمنافذ الصرافة.فالمعركة المحتدمة على أبواب المصارف لا تعنيه في جوهرها المالي، بقدر ما تحاصره في تفاصيلها المعيشية. فالقلق الحقيقي والوحيد الذي يساوره ينحصر في “آلية التعامل” بين العملتين، ومخاطر الوقوع في فخ الخطأ الحسابي الذي قد يكلفه جزءاً ليس بالبسيط من دخله المتهالك، وهو خطأ سيكون وقعه مؤلماً ومضاعفاً، لا سيما على كبار السن وبسطاء التعليم الذين قد تضيع “فكتهم” في زحمة الأرقام المحذوفة.
لكن هذا الحظ قد يتخذ وجهاً آخر أكثر استغلالاً؛ إذ إن قيود السحب اليومي ومحاولات البعض التهرب من المساءلة عن مصادر أموالهم، قد تحول الكثير من الفقراء إلى عاملين بالأجرة في سوق نقدية مستحدثة. هؤلاء قد يجدون أنفسهم مضطرين لقبول أجور زهيدة لقاء استخدام أسمائهم من قبل المكتنزين لاستبدال كتل مالية ضخمة والالتفاف على سقوف المركزي. هي مفارقة تؤكد أن استبدال العملة قد يجعل من الفقير محظوظاً لأيام معدودة، فان لم تخلصه من ضيق الحال، فقد تمنحه بعض المردود بفضل قلق أصحاب المليارات، وقد تحوله -في نظر المتلاعبين- إلى مجرد “رصيد بشري” لعبور أموالهم نحو الضفة الجديدة.
محمد راكان مصطفى






