وافق مجلس الوزراء العراقي على تعاقد وزارة النفط العراقية مع الجانب السوري من أجل نقل وتخزين ومناولة كميات من النفط الخام عبر ميناءي بانياس وطرطوس على البحر المتوسط.
وتتضمن كميات من النفط خام البصرة الخفيف، والمتوسط، والثقيل.
كما وافق مجلس الوزراء أيضاً على فتح مكتب تمثيلي لوزارة النفط لإدارة عمليات التصدير عبر هذا المسار.

أستاذ إدارة الأعمال في جامعة حلب الدكتور خليل حمدان لفت إلى أن كثيراً من الدول تمتلك موانئ ومواقع جغرافية مميزة، لكن القليل منها فقط ينجح في تحويل هذه المزايا إلى قوة اقتصادية حقيقية، فالموقع الجغرافي يمنح الفرصة، لكنه لا يضمن النجاح.
وأوضح في حديثه لـ “الوطن” أن الفرق بين الدول التي تستفيد من موقعها وتلك التي تفشل في ذلك لا يكمن في الخرائط، بل في الإدارة والجاهزية والقدرة على استثمار الفرص عند ما تأتي.
وقال: من هذا المنطلق يمكن قراءة قرار مجلس الوزراء العراقي رغم أنه يبدو في ظاهره إجراء فنياً يتعلق بحركة صادرات النفط العراقية، إلا أن دلالاته الاقتصادية بالنسبة لسوريا أكبر بكثير من مجرد رسوم نقل أو تخزين، إذ يعكس عودة المرافئ السورية إلى خريطة الطاقة الإقليمية بعد سنوات طويلة من التراجع والتحديات التي فرضتها الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية.
أكثر من مجرد عائدات مالية
وأكد أستاذ الاقتصاد أنه اقتصادياً، يوفر هذا المسار الجديد مورداً إضافياً للنشاط الاقتصادي المرتبط بقطاع الخدمات اللوجستية والنقل البحري والتخزين والمناولة، وهي أنشطة تمتلك قيمة مضافة مرتفعة مقارنة بالعديد من القطاعات الأخرى.
كما أنه يفتح المجال أمام تنشيط أعمال الشركات العاملة في الموانئ والنقل والشحن والخدمات المساندة، ويسهم في خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في المناطق الساحلية.
وأشار إلى أنه لا تتوقف أهمية الخطوة عند العوائد المباشرة فقط، بل تمتد إلى ما تمثله من عودة تدريجية لسوريا إلى سلاسل التجارة والطاقة الإقليمية، وهو ما يمنح الاقتصاد السوري فرصة للاستفادة من موقعه الجغرافي وإمكاناته اللوجستية بصورة أكبر خلال المرحلة المقبلة.
لماذا يمثل المسار السوري أهمية للعراق؟
بالنسبة للعراق، يرى حمدان أن أهمية القرار تكمن في تنويع منافذ التصدير وتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مسار واحد أو عدد محدود من المسارات، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة بين الحين والآخر، فكلما تعددت المنافذ التصديرية ازدادت مرونة قطاع النفط العراقي وقدرته على التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية.
ومن هذا المنطلق، فإن الموانئ السورية لا تمثل للعراق مجرد منفذ إضافي، بل خيار استراتيجي يعزز أمن الصادرات النفطية ويمنح قطاع الطاقة العراقي مرونة أكبر في مواجهة المتغيرات المستقبلية.
الاستجابة الإدارية لا تقل أهمية عن الموقع الجغرافي
يرى حمدان أن هذا القرار يعيد طرح سؤال مهم حول موقع سوريا المستقبلي في خريطة الطاقة والتجارة الإقليمية، فالموقع الجغرافي السوري يمنح البلاد ميزة تنافسية مهمة باعتبارها جسراً طبيعياً يربط العراق والخليج العربي بشرق المتوسط والأسواق الأوروبية، لكن التجارب الاقتصادية الحديثة تؤكد أن الموقع الجغرافي وحده لا يصنع النجاح، فكم من دول امتلكت مواقع إستراتيجية متميزة ولم تستفد منها بالشكل المطلوب، بينما نجحت دول أخرى في تحويل مواقعها إلى مراكز عالمية للتجارة والخدمات بفضل الإدارة الكفؤة وسرعة الاستجابة وجودة الخدمات.
وأكد حمدان أنه هنا تبرز أهمية العامل الإداري والمؤسسي، فالمنافسة الإقليمية اليوم لا تقوم فقط على امتلاك الموانئ أو خطوط النقل، بل على سرعة اتخاذ القرار، وكفاءة الإجراءات، وجودة الخدمات اللوجستية، والقدرة على تلبية متطلبات الشركاء والمستثمرين ضمن أطر زمنية تنافسية.
وقال: في عالم تتنافس فيه الدول على استقطاب مشاريع الطاقة والتجارة الدولية، أصبحت الجاهزية الإدارية والفنية عاملاً لا يقل أهمية عن البنية التحتية نفسها، فالمستثمر أو الشريك الاقتصادي يبحث عن السرعة والوضوح والموثوقية بقدر بحثه عن الموقع الجغرافي أو الإمكانات الفنية.
مضيفاً: لذلك فإن نجاح هذا المسار يتطلب استجابة مؤسسية مرنة، وتنسيقاً عالياً بين الجهات المعنية، وتطويراً مستمراً للإجراءات والخدمات المرتبطة بالنقل والتخزين والتصدير، فكل يوم يتم اختصاره في الإجراءات، وكل خدمة يتم تطويرها، وكل عقبة يتم تجاوزها، يضيف قيمة اقتصادية حقيقية ويعزز ثقة الشركاء والمستثمرين.
فرصة لإعادة التموضع
وأكد أستاذ إدارة الأعمال أن أهمية القرار لا تقتصر على العائدات المباشرة فقط، بل تمتد إلى ما يحمله من رسائل ثقة اقتصادية، فاختيار الموانئ السورية لتكون جزءاً من منظومة تصدير النفط العراقي يعكس وجود قناعة متزايدة بقدرة هذه المرافق على أداء دور اقتصادي إقليمي فاعل، وهو ما قد يشجع على استقطاب استثمارات إضافية في قطاعات النقل والطاقة والخدمات اللوجستية.
كما أن هذه الخطوة قد تشكل فرصة مهمة لإعادة تسليط الضوء على إمكانات سوريا كممر تجاري وطاقة في المنطقة، ليس فقط في قطاع النفط، بل في قطاعات النقل البري والسككي والخدمات اللوجستية والتجارة الإقليمية، فغالباً ما تبدأ التحولات الاقتصادية الكبرى بخطوات محدودة، لكنها تفتح لاحقاً مسارات أوسع من التعاون والاستثمار.
واوضح حمدان أن القرار العراقي لا يمثل مجرد اتفاق نفطي عابر، بل قد يكون مؤشراً على بداية مرحلة جديدة تستعيد فيها سوريا جزءاً من دورها الاقتصادي الطبيعي بوصفها نقطة وصل بين الشرق والغرب وبين مصادر الطاقة والأسواق العالمية.
وأضاف: غير أن القيمة الحقيقية لهذه الفرصة لن تقاس بحجم النفط المنقول فقط، بل بقدرة المؤسسات السورية على استثمارها بكفاءة، وتطوير الخدمات المرتبطة بها، وتحويلها إلى نموذج نجاح يعزز الثقة ويجذب فرصاً اقتصادية جديدة.
وختم بالقول: الدول لا تبني مكانتها الاقتصادية بالموقع الجغرافي وحده، بل بقدرتها على إدارة الفرص عندما تأتي. وربما تكون الرسالة الأهم في هذا التطور أن الفرص الكبرى لا تنتظر طويلاً، وأن النجاح سيكون من نصيب من يمتلك الجاهزية الإدارية والفنية والقدرة على التحرك السريع لتحويل الفرصة إلى إنجاز اقتصادي مستدام.








