لم تعد العلامة التجارية مجرد اسم يُكتب على منتج أو شعار يميّز شركة عن أخرى، بل أصبحت في الاقتصاد الحديث أصلاً استثمارياً قد يساوي أحياناً قيمة الشركة نفسها، ويشكّل أحد أهم عناصر بناء الثقة وفتح الأسواق.
هذه المعادلة كانت محور ورشة “حماية الملكية التجارية والصناعية” التي نظّمتها غرفة تجارة دمشق بالتعاون مع وزارة الاقتصاد والصناعة – مديرية حماية الملكية التجارية والصناعية، في وقت تتزايد فيه حاجة قطاع الأعمال إلى فهم أهمية حماية علاماته التجارية، ليس فقط من التقليد، وإنما كجزء من استراتيجية النمو والتوسّع.
وشهدت الورشة مشاركة ممثّلين عن وزارة الاقتصاد والصناعة وغرفة تجارة دمشق، إلى جانب عدد من التجار والصناعيين وأصحاب المنشآت والمستثمرين، حيث ناقشت آليات تسجيل العلامات التجارية، والرسوم والنماذج الصناعية، وسبل حماية الحقوق محلياً ودولياً، إضافةً إلى التحدّيات التي تواجه أصحاب الأعمال في هذا المجال.
العلامة التجارية هوية اقتصادية وفرصة للتوسّع
أكدت معاون وزير الاقتصاد والصناعة رشا كركوكي أن حماية الملكية التجارية والصناعية أصبحت ملفاً يمس مختلف القطاعات الاقتصادية، ولم تعد مجرد إجراء قانوني، وخصوصاً مع توسّع النشاط التجاري وزيادة المنافسة.
وأوضحت في تصريح لـ”الوطن” أن العلامة التجارية تمثّل هوية للمنتج، وأن العديد من العلامات العالمية تمكّنت من بناء قيمة اقتصادية كبيرة نتيجة ارتباطها بالجودة والثقة والسمعة، مشيرةً إلى أن تثبيت تسجيل العلامة التجارية يمثّل فرصة أمام أصحاب الأعمال لحماية جهودهم والانطلاق نحو الأسواق العالمية.
وأضافت: إن امتلاك علامة محمية لا يحمي الاسم فقط، بل يحمي القيمة التي بناها صاحب المشروع عبر سنوات من العمل والاستثمار، مؤكدةً أهمية نشر ثقافة الملكية الفكرية بين التجّار والصناعيين باعتبارها جزءاً من تطوير بيئة الأعمال.
من الاسم إلى الأصل غير الملموس
من جهته، أوضح مدير حماية الملكية التجارية والصناعية عبد المجيد عبدو أن الوزارة تعمل على نشر الوعي بأهمية حماية العلامات التجارية من خلال سلسلة من الندوات وورش العمل بالتعاون مع غرف الصناعة والتجارة في المحافظات، بدأت من غرفة صناعة دمشق وانتقلت إلى غرفة تجارة دمشق، على أن تشمل باقي المحافظات.
وبيّن أن هذه الورش تهدف إلى تعريف أصحاب الأعمال بآليات تسجيل العلامات التجارية والنماذج الصناعية، والإجراءات اللازمة لحمايتها محلياً ودولياً، إضافةً إلى التعريف بمنظومة الحماية المعتمدة لدى المنظمة العالمية للملكية الفكرية.
وأشار إلى أن العلامة التجارية لم تعد مجرد أداة تعريفية للمنتج، بل أصبحت من أهم الأصول غير الملموسة للشركات، حيث تتكوّن قيمتها من السمعة والثقة التي يبنيها صاحبها مع مرور الوقت، لافتاً إلى أن بعض العلامات التجارية العالمية باتت قيمتها تتجاوز قيمة الأصول الثابتة للشركات نفسها.
وأكد عبدو “أن سوريا تطبّق قانون حماية الملكية الصادر عام 2007 والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وأن تسجيل العلامات يخضع حالياً لدراسة فنية دقيقة والتدقيق ضمن قواعد البيانات المعتمدة، بما يسهم في حماية الحقوق والحد من حالات التعدي.
وأوضح أن أصحاب العلامات التجارية يمتلكون وسائل قانونية متعددة للدفاع عن حقوقهم، تبدأ من الاعتراض لدى الوزارة وتنظيم الضبوط العدلية، وصولاً إلى القضاء لاستعادة الحقوق وحماية الملكية التجارية.
التقليد وتشابه العلامات التحدّي الأكبر أمام أصحاب الأعمال
ولم تخلُ الورشة من نقاشات مباشرة حول المشكلات التي تواجه الشركات في السوق، حيث ركّزت المداخلات على انتشار العلامات المتشابهة، وصعوبة حماية بعض الأسماء التجارية بعد سنوات من الاستثمار في بنائها.
وطالب أصحاب الأعمال بتطوير آليات أكثر سرعة ومرونة في معالجة طلبات التسجيل والاعتراضات، بما يحقّق التوازن بين حماية الحقوق وتسهيل الإجراءات أمام المستثمرين والتجّار.
كما طرحت تساؤلات حول أسباب رفض بعض العلامات التجارية، حيث أوضحت الجهات المختصة أن منح الحماية يخضع لشروط ومعايير محدّدة وفق القانون السوري، وقد تختلف هذه المعايير عن بعض الدول الأخرى بحسب التشريعات المعتمدة.
وأشار المشاركون إلى أهمية تعزيز التنسيق بين مديرية حماية الملكية والجهات القضائية لمعالجة قضايا التعدي على العلامات التجارية بسرعة أكبر، وخصوصاً أن أي تأخير في حماية العلامة قد ينعكس على قيمة المشروع وسمعته في السوق.
حماية الملكية بوابةٌ لتعزيز تنافسية المنتج السوري
كما كشفت النقاشات التي شهدتها الورشة أن ملف العلامات التجارية يتجاوز حدود التسجيل القانوني، ليصبح جزءاً من معركة بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار.
فالمنتج الذي يحمل علامة محمية لا يمتلك اسماً فقط، بل يمتلك هوية وقيمة وفرصة أكبر للانتشار، وخصوصاً في الأسواق الخارجية التي تعتمد بشكل كبير على الثقة بالعلامة والالتزام بالمعايير.
ومع سعي الشركات السورية إلى استعادة حضورها في الأسواق، فإن بناء منظومة فعّالة لحماية الملكية الفكرية قد يكون أحد المفاتيح الأساسية لتحويل الأفكار والمنتجات المحلية إلى علامات قادرة على المنافسة.
فالاسم التجاري لم يعد مجرد عنوان على واجهة متجر، بل أصبح رأس مال غير مرئي يحتاج إلى حماية بقدر ما تحتاج الأصول المادية إلى حماية.






