اعتبر المعتصم الكيلاني، الخبير القانوني والمختص في مجال حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، أن اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة، مشروع القرار الذي تقدمت به سوريا لإعلان 19 كانون الأول من كل عام يوماً دوليا لتكريم النساء الباحثات عن المفقودين، يمثل إنجازاً سياسياً وأخلاقياً مهماً لسوريا ولعائلات المفقودين، لكنه في الوقت نفسه ليس قراراً قضائياً، ولا إقراراً أممياً شاملاً بمظلومية الشعب السوري.
وأوضح الكيلاني في تصريح لـ«الوطن»، أن الجمعية العامة اعتمدت القرار من دون تصويت، أي بالتوافق ومن دون اعتراض معلن، الأمر الذي يمنحه ثقلاً سياسياً ومعنوياً واسعاً، لكنه لا يجعله ملزماً قانونياً، ولا يرتب، بحد ذاته، مسؤوليات جنائية أو تعويضات.
وأشار إلى أن القرار يسهم في ترسيخ قضية المفقودين السوريين في الذاكرة الدولية، باعتباره ينقل تجربة النساء السوريات الباحثات عن أحبائهن إلى مناسبة أممية سنوية، ويمنح العائلات ومنظمات الضحايا مساحة عالمية لعرض الشهادات والتقارير والمطالبة بكشف الحقيقة.
غير أن هذا الإسهام، وفق الكيلاني، يظل في إطاره التوثيقي والمعنوي والسياسي؛ فالقرار لا يسجل أسماء المفقودين، ولا يحدد ظروف اختفائهم أو المسؤولين عنها، ولا يشكل دليلاً قضائياً، أما التوثيق الفعلي، فيحتاج إلى قواعد بيانات موحدة، وحماية الأرشيفات والمقابر الجماعية، وإجراء فحوص الحمض النووي، وجمع الشهادات وفق معايير مهنية.
وقال الكيلاني: “أتمنى أن يكون ذلك من صميم ولاية الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا، التي أنشئت بقرار رئاسي في العام الماضي، وهدفها الكشف عن مصير جميع المفقودين ودعم عائلاتهم من دون تمييز”.
ورأى أن الاحتفاء العالمي بهذا اليوم يمكن اعتباره اعترافاً بمعاناة انطلقت المبادرة بشأنها من التجربة السورية، وبالدور الكبير الذي أدته النساء السوريات في إبقاء قضية المفقودين حية، لكنه شدد على أن ذلك لا يمثل، بالمعنى القانوني الدقيق، إقراراً أممياً شاملاً بمظلومية الشعب السوري، لأن القرار جاء بصياغة عالمية، ولا يدين جهة محددة، ولا يقرر مسؤوليتها عن حالات الاختفاء.
ولذلك، فإن الأدق، وفق الكيلاني، هو وصف القرار بأنه اعتراف أممي بمعاناة النساء الباحثات عن المفقودين وبحق العائلات في معرفة الحقيقة، مع حمله في الوقت نفسه بصمة سورية واضحة، فقد قدمت دمشق القرار باعتباره انتقالاً بقضية وطنية إلى مستوى إنساني عالمي.
وفيما يتعلق بمسيرة سوريا نحو العدالة والإنصاف، اعتبر الكيلاني أن القرار يمثل خطوة تمهيدية ورمزية مهمة، لكنه ليس العدالة ذاتها.
وأوضح أن القيمة الرمزية للقرار تتحول إلى إنجاز فعلي عندما تقترن بفتح أرشيفات السجون والأجهزة، وإنشاء سجل وطني شامل للمفقودين، وحماية المقابر الجماعية والأدلة، والتعاون مع الآليات الدولية، وإشراك العائلات والنساء في عمليات البحث، ثم الانتقال من كشف الحقيقة إلى المساءلة وجبر الضرر وضمان عدم التكرار.
وخلاصة القول، وفق الكيلاني، إن القرار يمثل انتصاراً للذاكرة ولصوت عائلات المفقودين، ونجاحاً دبلوماسياً سورياً في تحويل جرح وطني إلى قضية إنسانية عالمية.
غير أن معيار نجاحه الحقيقي، وفق الكيلاني، لن يكون بعدد الاحتفاليات والخطابات، بل بعدد العائلات التي تحصل على إجابات، والمفقودين الذين يكشف مصيرهم، والضحايا الذين تصان أدلتهم، والمسؤولين الذين يمثلون أمام قضاء عادل ومستقل.
أسرة التحرير









