على امتداد أكثر من عقد، ظهر الإنسان السوري في الإعلام غالباً في أكثر لحظات حياته قسوة: طفلاً يتم انتشاله من تحت الأنقاض، أماً تصرخ أمام جثمان ابنها، رجلاً يقف أمام منزله المدمر، عائلة تعبر الحدود بما استطاعت حمله، أو لاجئاً يجلس أمام خيمة ويعيد سرد اللحظة التي خسر فيها بيته أو أهله أو مدينته. هذا الحضور الكثيف جعل صورة السوري جزءاً دائماً من المشهد الإعلامي الإقليمي والدولي، لكنه يفتح في الوقت نفسه سؤالاً أخلاقياً لا يقل أهمية عن سؤال التغطية نفسها: هل أسهم الإعلام في جعل الإنسان السوري أكثر حضوراً ووضوحاً، أم إنه حوّل معاناته تدريجياً إلى مادة قابلة للاستهلاك؟
في السنوات الأولى من الثورة السورية، لعبت الصورة دوراً أساسياً في نقل ما كان يحدث إلى العالم. وفي ظل صعوبة الوصول الصحفي إلى مناطق واسعة، حمل سوريون هواتفهم ووثقوا القصف والدمار والنزوح والموت. كانت الصورة في كثير من الأحيان شهادة، ووسيلة لمقاومة دقة وصول المعلومات أو غيابها، وأحياناً الدليل البصري الوحيد المتاح.
لكن مع الوقت، ومع انتقال جزء كبير من استهلاك الأخبار إلى فضاء المنصات الاجتماعية، دخل عامل آخر بقوة إلى العملية الصحفية: قابلية المحتوى للتفاعل. لم يعد السؤال فقط ما الذي ينبغي للجمهور أن يعرفه، بل أصبح هناك سؤال موازٍ، وإن لم يُطرح بصوت عالٍ دائماً: ما الذي سيدفع الجمهور إلى التوقف أمام الشاشة؟
تجسد صورة الطفل عمران دقنيش هذه الإشكالية أكثر من كثير من الصور السورية الأخرى. في آب 2016، أظهرت صور ومقاطع مصورة الطفل، وكان في الخامسة من عمره، جالساً داخل سيارة إسعاف في حلب، مغطى بالغبار والدم بعد إخراجه من مبنى أصابته ضربة جوية،لم أعد أتذكر هل هي للنظام البائد أم لروسيا في حي القاطرجي. انتشرت الصورة على نطاق واسع خلال ساعات، وتحول عمران سريعاً في التغطيات إلى وجه يختصر معاناة المدنيين في حلب.
المفارقة هنا أن الطفل الحقيقي بدأ يتراجع خلف الصورة التي تمثله. لم يعد عمران طفلاً عاش لحظة مرعبة، بل أصبح رمزاً. والصورة التي كان يفترض أن تنقل شيئاً مما حدث له بدأت تحمل فوقها حمولة أكبر من صاحبها: الحرب، وحلب، والطفولة، والموقف من الصراع. ولا يعني ذلك أن نشر الصورة كان خطأ، أو أنها لم تكن ذات قيمة صحفية، بل يكشف مدى السرعة التي يستطيع فيها الإعلام تحويل فرد بعينه إلى وعاء يحمل مأساة بلد بأكمله. وما إن يحدث ذلك حتى يصبح من السهل أن ننسى أن (الرمز) طفل له حياة تتجاوز الثواني التي شاهدها العالم داخل سيارة الإسعاف.
كذلك، المثال الأكثر وضوحاً على قوة الصورة، وربما على محدودية هذه القوة أيضاً، جاء قبل ذلك بعام. في أيلول 2015، عُثر على جثمان الطفل السوري آلان كردي، ابن الثالثة، على شاطئ قرب بودروم في تركيا بعد غرق القارب الذي كان يقل عائلته باتجاه اليونان. انتشرت الصور التي التقطتها المصورة نيلوفر دمير حول العالم، وأثارت ردود فعل واسعة على أزمة اللاجئين السوريين.
لم تكن الصورة قد كشفت حقيقة مجهولة تماماً؛ كان العالم يعرف قبلها أن اللاجئين يموتون أثناء محاولات عبور البحر. الجديد كان أن المأساة امتلكت فجأة جسداً صغيراً واسماً ووجهاً يمكن للعالم أن يتعلق به. وهذا ليس مجرد انطباع صحفي. فقد درست أبحاث لاحقة أثر صورة آلان، ووجدت ارتفاعاً كبيراً بعد نشرها في عمليات البحث عن سوريا واللاجئين، كما ارتفعت التبرعات لصندوق تابع للصليب الأحمر السويدي لمساعدة اللاجئين السوريين. لكن الاهتمام الذي ولّدته الصورة بدأ بالتراجع خلال الأسابيع التالية.
تكاد هذه الحالة تختصر مأزق “اقتصاد الانتباه” كله. صورة واحدة استطاعت أن تجعل ملايين الأشخاص ينظرون إلى مأساة كانت موجودة أصلاً، لكنها تكشف أيضاً هشاشة هذا التعاطف. نحن نحتاج أحياناً إلى فرد واحد كي نفهم مأساة الملايين، لكننا قد نتوقف عن الاهتمام عندما تتراجع صورة ذلك الفرد في تدفق الأخبار. هنا يصبح الإنسان جسراً مؤقتاً بين الجمهور والكارثة: يؤدي دوره فيجذب الانتباه، ثم يأتي حدث آخر وصورة أخرى وضحية أخرى.
وتزداد الإشكالية حين يكون الطفل هو المادة الأكثر قدرة على إثارة الانفعال. فالطفل الجريح أو الخائف أو الباكي لا يحتاج إلى شرح طويل حتى يثير الاستجابة العاطفية. الصورة تقوم بمعظم العمل. ومن هنا يمكن أن تنشأ، حتى من دون قرار واعٍ، عملية اختيار يكون فيها الشخص الأكثر ضعفاً هو أيضاً الأكثر قيمة من ناحية الانتشار. لا يبحث الصحفي بالضرورة عن “سلعة”، لكنه يعمل في فضاء يخبره بالأرقام، وفي الوقت الحقيقي تقريباً، أن هذا الطفل حصد مشاهدات أكثر، وأن ذلك الفيديو استوقف المستخدمين مدة أطول، وأن تلك الصورة تمت مشاركتها آلاف المرات.
وعادت هذه الديناميكية بقوة عقب الزلزال الذي ضرب شمال غربي سوريا وتركيا في السادس من شباط 2023. من بين آلاف القصص خرجت قصة طفلة ولدت تحت أنقاض منزل عائلتها في جنديرس.
كانت لا تزال متصلة بوالدتها بالحبل السري عندما عُثر عليها، بينما توفي والداها وأشقاؤها الأربعة. انتشر فيديو إنقاذها بسرعة هائلة على وسائل التواصل الاجتماعي، وأطلق عليها العاملون في المستشفى بداية اسم “آية”، قبل أن تسميها عائلتها لاحقاً “عفراء” تيمناً بوالدتها. ومع انتشار قصتها، قال آلاف الأشخاص من أنحاء مختلفة من العالم إنهم يريدون تبنيها.
قصة عفراء تكشف بوضوح قدرة المنصات على تحويل شخص، خلال ساعات، إلى قصة عالمية.. طفلة لم تكن قد بدأت حياتها بعدما صار ملايين الأشخاص يعرفون ظروف ولادتها وفقدان عائلتها وصور وجودها في المستشفى. لقد كان الاهتمام بها تعبيراً حقيقياً عن التعاطف الإنساني، ولا يصح اختزاله كله في رغبة مرضية بالمشاهدة. لكن الحالة تفرض سؤالاً آخر: أين تنتهي حاجة الجمهور إلى المعرفة؟ وأين تبدأ خصوصية إنسان لم يكن قادراً أصلاً على الموافقة على كل هذا الانكشاف؟
المثير للاهتمام أن قصة عفراء تقدم أيضاً مثالاً على ما يمكن أن تفعله الصحافة بصورة مختلفة. بعد انتهاء الموجة الأولى من الاهتمام، عادت وكالة أسوشيتد برس إلى قصتها بعد نحو ستة أشهر، ووجدتها تعيش مع عائلة عمتها التي تبنتها، وتتابع حياتها بصحة جيدة. هذه المتابعة الصغيرة مهمة، لأنها تنقل الإنسان من موقع “المشهد” إلى موقع”القصة”. لا تنتهي حياة عفراء عند لحظة إخراجها من الأنقاض، كمالا تنتهي قصة أي طفل سوري عند الصورة التي جعلته مشهوراً.
وهنا تحديداً يظهر أحد الفروق التي يمكن أن تفصل الصحافة عن صناعة المحتوى. الأولى يفترض أن تهتم بما حدث قبل الصورة وما حدث بعدها، أما الثانية فيمكن أن تكتفي باللحظة التي تحقق أكبر قدر من التفاعل. في اقتصاد المنصة، لا توجد مكافأة رقمية كبيرة بالضرورة لمن يعود بعد ستة أشهر إلى الطفل نفسه ليسأل كيف يعيش الآن؛ المكافأة تأتي غالباً مع اللحظة الجديدة الأكثر إثارة.
الأكثر قسوة أن الطلب على الصورة السورية المؤثرة أنتج في بعض الأحيان صوراً سورية لم يكن فيها سوريون أصلاً. إحدى الصور التي تداولها مستخدمون على الإنترنت على أنها لطفل سوري ينام بين قبري والديه لم تكن من سوريا ولم تكن توثق مأساة حقيقية. كانت الصورة جزءاً من مشروع فني نفذه مصور سعودي عام 2014 مستخدماً ابن أخيه، وبنى بنفسه ما يشبه القبرين للتعبير عن اليتم. مع ذلك، خرجت الصورة من سياقها وانتشرت على أنها لطفل سوري، ثم عادت بعد سنوات لتُستخدم بصورة مضللة في سياقات أخرى.
هذه الحالة ربما تقول شيئاً مهماً يتجاوز التضليل نفسه: أصبحت هناك صورة متخيلة جاهزة للضحية السورية يستطيع الجمهور التعرف عليها ولو لم تكن حقيقية. طفل، ركام، قبر، دموع، جوع أوخيمة؛ تكفي هذه العناصر كي تصبح الصورة قابلة للتصديق والمشاركة. وحين يصل الأمر إلى أن تستطيع صورة مصنوعة في بلد آخر أن تؤدي وظيفة المأساة السورية بنجاح، فنحن لم نعد أمام توثيق للإنسان السوري بقدر ما نحن أمام قالب بصري جرى إنتاجه وتكراره حتى أصبح مستقلاً عن الإنسان نفسه.
في هذا القالب، ظهر السوري طوال سنوات تحت الأنقاض، وفي المخيم، وعلى قارب اللجوء، وأمام الحدود، وفي طابور المساعدات. كلها صور حقيقية وتمثل جوانب فعلية من تجربة ملايين السوريين، لكن تكرارها يجعلها في بعض الأحيان الصورة شبه الوحيدة. وهنا يظهر شكل آخر من التسليع: لا يحتاج الإعلام من الإنسان السوري إلا إلى النسخة القادرة على إثارة التعاطف. السوري الذي ينجح أو يعمل أو يؤسس حياة جديدة أو يحاول استعادة حياة عادية لا يمتلك دائماً القيمة البصرية نفسها التي يمتلكها السوري الجريح أو الجائع أو الباكي.
لا يظلم هذا الاختزال السوري لأنه يحصره في الألم فقط، بل لأنه يسلبه التعقيد. الطفل الموجود في الصورة ليس “طفل الحرب” فقط، واللاجئ ليس “لاجئاً” فقط، والمرأة التي تبكي أمام بيت مدمر ليست”أماً ثكلى” وحسب. لكل منهم حياة سبقت الكاميرا، وحياة ستستمر بعدها. لكن اقتصاد الانتباه يميل إلى القصة التي يمكن فهمها بسرعة، والعاطفة التي يمكن استحضارها فوراً، والصورة التي تستطيع إيقاف إصبع المستخدم أثناء التمرير.
حتى اللغة الصحفية تستطيع أن تكشف هذا التحول. الطفل الذي أبكى العالم، الصورة التي هزت مواقع التواصل، المشهد الذي أشعل المنصات، عبارات مألوفة في الإعلام الرقمي. لكن هل لاحظنا أين يصبح مركز القصة في مثل هذه العناوين: ليس ما حدث للطفل، بل ما فعلته صورته بالجمهور. المأساة هنا تكتسب قيمتها من قدرتها على توليد التفاعل، وكأن المعيار لم يعد فداحة ما عاشه الشخص وإنما عدد الذين توقفوا أمام صورته.
ولا يمكن اختزال هذه المشكلة في صحفي سيئ النية. المشكلة أكثر تعقيداً من ذلك. المؤسسة الإعلامية ترى أرقام المشاهدة، والمنصة تريد إبقاء المستخدم أمام الشاشة، والصحفي يريد الوصول إلى أكبر عدد ممكن من القراء، والجمهور نفسه يتوقف أمام بعض الصور أكثر من غيرها.
من تفاعل هذه المصالح ينشأ نظام كامل لا يقول صراحة استثمروا في الألم، لكنه يرسل الرسالة ذاتها بطريقة أكثر فعالية: هذه المادة حققت مليون مشاهدة، اصنعوا شيئاً يشبهها.
ولا يمكن إعفاء الجمهور تماماً. فنحن نتوقف أمام الفيديو الصادم، ونرسل صورة الطفل إلى أصدقائنا، ونضغط على القصة التي تعدنا بمشهد لا يحتمل، وربما نتجاوز تحقيقاً طويلاً يشرح لماذا يعيش آلاف الأطفال الظروف نفسها. وكل نقرة تعطي المنصة والمؤسسة إشارة جديدة عن نوع المحتوى الذي يجذبنا. بهذا المعنى، لا ينتج (إعلام اللايكات) داخل غرفة الأخبار فقط؛ نحن نشارك في إنتاج منطقه كل يوم.
لكن المسؤولية المهنية تبقى أثقل لدى من يقرر التصوير والنشر، فالإرشادات الأخلاقية لليونيسف بشأن التغطية الإعلامية للأطفال تضع كرامة الطفل وخصوصيته ومصلحته في مقدمة الاعتبارات، وتدعو إلى الحصول على موافقة واعية قدر الإمكان وتوفير السياق الدقيق للصورة، بل تؤكد أن مصلحة الطفل ينبغي أن تتقدم حتى على أهداف المناصرة لقضايا الأطفال. وهذا المبدأ يطرح سؤالاً بسيطاً لكنه صعب أمام الصحفي السوري: هل كنت سأنشر هذه الصورة لو كان الطفل طفلي؟
ليس المطلوب أن تتوقف الصحافة عن تصوير الحرب أو الفقر أو النزوح. فإخفاء المعاناة قد يكون شكلاً آخر من أشكال الظلم، وبعض الصور السورية أصبحت وثائق لا غنى عنها لفهم ما حدث. المشكلة ليست في أن نرى الألم، بل في ألا يصبح الألم الشرط الضروري لكي نرى الإنسان.
لهذا ربما يكون السؤال التحريري الأهم قبل نشر صورة ضحية سورية ليس فقط: هل الصورة حقيقية؟ بل أيضاً: لماذا يحتاج الجمهور إلى رؤيتها؟ ماذا سيعرف بعد مشاهدتها لم يكن يستطيع معرفته من دونها؟ هل يُظهر نشر الوجه قيمة خبرية حقيقية؟ هل يعرف الشخص أو عائلته حجم الجمهور الذي يمكن أن تصل إليه الصورة؟ وهل سنظل مهتمين بهذا الإنسان عندما تتوقف صورته عن جلب المشاهدات؟
والأهم: هل نحن نروي قصته، أم نستهلك لحظته؟
بعد أكثر من عقد من الصور السورية، ربما آن الأوان لأن يشاهد العالم الإنسان السوري خارج أكثر لحظاته هشاشة.. أن يُعامل الطفل الذي خرج من الأنقاض كطفل له مستقبل، لا كصورة ناجحة. وأن يصبح اللاجئ صاحب حياة وليس مجرد وجه يصلح لتقرير عن اللجوء. وأن نتوقف عن اعتبار دموع السوري بطاقة دخوله الأسرع إلى الشاشة.
فالصحافة التي تكشف معاناة الناس تؤدي وظيفة ضرورية، وأحياناً شجاعة. أما حين تصبح شدة المعاناة عاملاً في تحديد قيمة الإنسان الإعلامية، فنحن نقف أمام شيء آخر: سوق للانتباه تتحول فيه المأساة إلى منتج، والصورة إلى عملة، والإنسان إلى وسيلة لجمع المشاهدات.
وربما يكون أحد أهم التحديات التي تواجه الإعلام السوري اليوم هو مقاومة هذا المنطق: أن يروي الألم من دون أن يتاجر به، وأن يجعل الضحية مرئية من دون أن يجعل الألم هويتها الوحيدة، وأن يتذكر وسط سباق المشاهدات والمشاركات واللايكات أن السوري الموجود خلف الصورة ليس محتوى. إنه إنسان، ويجب أن يبقى كذلك قبل تشغيل الكاميرا وبعد إطفائها.
بقلم: رزق العبي







