يشهد القطاع المالي السوري مرحلة جديدة من التحول الرقمي مع إعلان مصرف سوريا المركزي قرب إصدار الإطار التنظيمي للمحافظ الإلكترونية، وهي خطوة ينظر إليها باعتبارها أحد أهم مشاريع تحديث منظومة المدفوعات الوطنية خلال السنوات الأخيرة لما تحمله من آثار مباشرة على حركة الأسواق وتوسيع الشمول المالي وتعزيز كفاءة النشاط الاقتصادي.
ويرى الأكاديمي في جامعة إدلب الدكتور مصعب الشبيب أن أهمية هذه الخطوة لا يقتصر على إدخال وسيلة دفع جديدة بل تمتد إلى إعادة صياغة العلاقة بين المواطن والخدمات المالية عبر توفير أدوات أكثر سهولة ومرونة للوصول إلى خدمات الدفع والتحويل والاستلام بما ينسجم مع الاتجاهات العالمية في الاقتصاد الرقمي ويحد تدريجياً من الاعتماد على النقد الورقي.
فارق جوهري بين خدمتين

ويؤكد الشبيب في تصريحه لـ”الوطن” أن هناك خلطاً شائعاً بين المحافظ الإلكترونية وتطبيقات الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول رغم أن الفارق بينهما جوهري من الناحية المالية والتنظيمية.
ويبيّن أن تطبيق الخدمات المصرفية عبر الهاتف يمثل امتداداً للحساب المصرفي التقليدي، إذ يتيح لصاحب الحساب الوصول إلى أمواله وإجراء التحويلات وتسديد الفواتير والاستفادة من الخدمات المصرفية المختلفة لكنه يبقى مرتبطاً بشكل كامل بوجود حساب مصرفي داخل أحد المصارف.
أما المحفظة الإلكترونية فهي -بحسب الشبيب- أداة دفع رقمية مستقلة نسبياُ تتيح للمستخدم الاحتفاظ برصيد إلكتروني واستخدامه في عمليات الدفع والتحويل والاستلام وقد لا تشترط امتلاك حساب مصرفي وهو ما يمنحها قدرة أكبر على الوصول إلى شرائح واسعة من المواطنين ولا سيما أصحاب الأعمال الصغيرة والعاملين لحسابهم الخاص وسكان المناطق التي لا تتوافر فيها الخدمات المصرفية بالشكل الكافي.
الخدمة تنتقل إلى الهاتف
ويشير الشبيب إلى أن الفارق العملي بين النظامين يظهر بوضوح في الاستخدام اليومي، فإذا أراد أحد المواطنين إرسال مبلغ مالي إلى أحد أفراد أسرته في محافظة أخرى، فإن تطبيق الخدمات المصرفية يتطلب امتلاك الطرفين حسابين مصرفيين وإتمام العملية عبر المصرف.
أما باستخدام المحفظة الإلكترونية فيمكن تحويل الأموال مباشرة بين محفظتين خلال وقت قصير ليتمكن المستفيد من استخدامها مباشرة في شراء احتياجاته أو تسديد الفواتير أو تعبئة رصيد الهاتف دون الحاجة إلى مراجعة أي فرع مصرفي.
ويرى أن هذه الميزة تجعل الهاتف المحمول نفسه منصة مالية متكاملة وليس مجرد وسيلة للوصول إلى الحساب المصرفي، وهو ما يمثل تحولاً مهماً في مفهوم تقديم الخدمات المالية.
انعكاسات اقتصادية واسعة
ومن الناحية الاقتصادية يتوقع أن يسهم انتشار المحافظ الإلكترونية في توسيع قاعدة الشمول المالي من خلال إدخال شرائح جديدة إلى المنظومة المالية الرسمية بما يرفع حجم التعاملات الموثقة ويقلل الاعتماد على النقد الورقي ويخفض تكاليف تداول الأموال ويزيد من كفاءة عمليات الدفع والتحصيل.
كما يسهم هذا التحول في تسريع دوران الأموال داخل الاقتصاد وتعزيز النشاط التجاري ورفع مستويات الشفافية بما يساعد مستقبلاً على تحسين البيئة الاستثمارية وتطوير الخدمات الحكومية الرقمية وربط مختلف القطاعات الاقتصادية بمنظومة دفع حديثة وأكثر كفاءة.
ويبيّن أن الاقتصادات التي نجحت في توسيع استخدام المحافظ الإلكترونية استطاعت تقليص الاقتصاد النقدي ورفع كفاءة التحصيل المالي وتوفير بيانات أكثر دقة تساعد في رسم السياسات الاقتصادية واتخاذ القرارات المالية.
فرصة للمشروعات الصغيرة
موضحاً أن انتشار المحافظ الإلكترونية يمنح أصحاب المحال التجارية والمنشآت الصغيرة والمتوسطة وسيلة سهلة وآمنة لتحصيل المدفوعات دون الحاجة إلى الاحتفاظ بكميات كبيرة من النقد كما يتيح للمستهلكين تنفيذ عمليات الشراء والدفع بسرعة وسهولة الأمر الذي ينعكس إيجاباً على حركة الأسواق ويخفض المخاطر المرتبطة بتداول الأموال النقدية.
كما تفتح هذه المنظومة المجال أمام تطوير خدمات مالية جديدة مثل المدفوعات الحكومية الإلكترونية وصرف الإعانات والتحويلات المالية والمدفوعات التجارية عبر الهاتف بما يعزز كفاءة الاقتصاد ويختصر الوقت والجهد على المواطنين والمؤسسات.
التحدي الحقيقي بعد صدور التعليمات
ورغم أهمية الإطار التنظيمي المرتقب يفيد الشبيب بأن نجاح المحافظ الإلكترونية لن يتوقف عند إصدار التعليمات الناظمة بل يرتبط بقدرة الجهات المعنية على بناء ثقة المستخدمين وتأمين أعلى مستويات الحماية والأمان الإلكتروني وتوفير رسوم استخدام مناسبة إلى جانب توسيع شبكة نقاط قبول الدفع لدى المتاجر والمؤسسات الحكومية والخدمية في مختلف المحافظات.
كما يتطلب نجاح التجربة نشر الثقافة المالية الرقمية وتعريف المواطنين بآليات استخدام المحافظ الإلكترونية ومزاياها بما يضمن انتشارها بصورة تدريجية ويعزز الاعتماد عليها في الحياة اليومية.
مرحلة جديدة للاقتصاد السوري
وبين أن مشروع المحافظ الإلكترونية فرصة حقيقية لتسريع التحول نحو اقتصاد رقمي أكثر كفاءة وتنظيماً ولا يقتصر أثره على تحديث وسائل الدفع بل يمتد إلى دعم الشمول المالي وتحفيز النشاط التجاري وتقليص الاقتصاد النقدي وتعزيز الشفافية المالية.
ومع اقتراب صدور الإطار التنظيمي من مصرف سورية المركزي تبدو سورية أمام استحقاق اقتصادي مهم ستكون نتائجه مرتبطة بسرعة التنفيذ وكفاءة البنية التحتية ومدى قدرة مختلف الأطراف على تحويل هذه الأداة من مشروع تقني إلى ركيزة أساسية في بناء منظومة مدفوعات وطنية حديثة تخدم المواطنين والقطاع الخاص وتواكب متطلبات التنمية الاقتصادية في المرحلة المقبلة.








