مراسل الوطن في الرقة: استشهاد جنديين من الجيش العربي السوري بانفجار لغم أرضي في منطقة تل أبيض بريف المحافظة الشمالي

المزيد

‫آخر الأخبار:‬

المركزي يكسر “الصمت النقدي”.. هل بدأت رحلة الليرة الجديدة للحاق بالسوق السوداء؟

‫شارك على:‬
20

لأول مرة منذ إطلاق الإصدار النقدي الجديد وحذف الأصفار، كسر مصرف سورية المركزي حاجز الصمت النقدي الذي خيم على نشراته الرسمية لأشهر، مجرياً تعديلاً سعرياً مفاجئاً أعاد خلط أوراق التوقعات في الأوساط الاقتصادية.

هذا التحرك الذي يتجاوز مجرد تغيير الأرقام ليطرح تساؤلات جوهرية حول فلسفة إدارة سعر الصرف في المرحلة المقبلة، ومدى قدرة الليرة بصيغتها الجديدة على الصمود أمام ضغوط الفجوة السعرية المتسعة مع السوق الموازية، وهو ما نضعه على طاولة التحليل الأكاديمي والمهني لاستيضاح دلالات هذا الرفع وتوقيته الحرج.

الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة أوضح للوطن أن سياسة سعر الصرف تمثل العمود الفقري لأي برنامج نقدي، معتبراً أن انتقال المصرف المركزي من التثبيت الإداري إلى مرونة مدارة يعد اختباراً حقيقياً لمصداقية الإصلاح النقدي الذي بدأ مطلع العام، لافتاً إلى أنه في حالة الليرة السورية الجديدة، نرصد تحولاً دقيقاً، حيث بدأ المركزي تدريجياً بتضييق الفجوة مع السوق الموازية عبر تعديل نشرة الرسمي بهامش سعري يصل إلى 15%، ورفع مفاجئ بنسبة 2.26% دفعة واحدة، وهذا السلوك يعكس ملامح التعديل الوقائي الذي يسبق عادةً اعتماد آلية أقرب إلى ملاحقة السوق.

من الدفاع إلى الملاحقة

وحول ما إذا كان المركزي قد انتقل فعلياً من مرحلة الدفاع عن سعر صرف محدد إلى مرحلة ملاحقة سعر السوق، يرى محمد أن هذا التحول يحدث إلى حد كبير، موضحاً أن الدفاع عن سعر محدد كان يتطلب في السابق تدخلاً مستمراً بالاحتياطيات أو فرض قيود مشددة، أما اليوم فإن رفع السعر الرسمي بمقدار 250 ليرة دفعة واحدة، واعتماد هامش تحرك سعري بنسبة 15%، فهما مؤشران واضحان على تحول السياسة نحو استهداف سعر السوق بصورة غير معلنة، مع إبقاء “يد على العصا” لتجنب حدوث حالات ذعر في الأسواق، مشدداً على أن ما نراه ليس تعويماً كاملاً، بل هو تعويم مُدار بمرونة أكبر من ذي قبل.

رسائل “المركزي” المزدوجة

وفيما يتعلق بدلالات الرفع بمقدار 250 ليرة دفعة واحدة، يصفها الأستاذ الجامعي بأنها رسالة اعتراف واضحة بضغوط العرض والطلب، حيث إن التوقيت وقيمة الرفع، على الرغم من أنها لا تزال أقل من فجوة السوق الفعلية، يرسمان رسالة مزدوجة تتجلى في استفاقة مراقبة، توحي بأن المركزي لم يعد متجاهلاً تسارع السوق السوداء، كما تتضمن اعترافاً غير مباشر بوجود ضغوط حقيقية للعرض والطلب، وهو الأمر الذي كان ينفيه الخطاب الرسمي سابقاً.

ومع ذلك، يرى محمد أن الرفع يبقى أقل من اللازم لامتصاص الفجوة السعرية كاملة، ما يجعلها رسالة تهدئة أكثر منها حلاً جذرياً للمشكلة.

الفجوة الحرجة

وبالانتقال إلى الجانب الأكاديمي البحت، يحذر أستاذ المصارف من أن استمرار الفجوة مع السوق الموازي عند مستويات 17% لا يخدم سياسة التعويم المدار، بل يؤدي إلى نتائج عكسية خطيرة، أولها تعميق اقتصاد الظل من خلال تشجيع الاحتفاظ بالعملة الصعبة خارج القنوات الرسمية، وثانيها إجهاض محاولات جذب الحوالات التي يفضل أصحابها السوق الموازية لتعويض الفارق السعري، وصولاً إلى إضعاف فعالية العملة الجديدة وتحويلها إلى مجرد أداة لتسجيل أرقام تضخمية أكبر.

ويوضح محمد أن الحد الحرج لهذه الفجوة، حسب الأدبيات الاقتصادية لبلدان ما بعد التضخم، يتراوح بين 10 إلى 12%، وتجاوز هذا المستوى يدفع الوكلاء الاقتصاديين إلى التخلص من العملة المحلية أو التعامل بأسرع وسيلة لتجنب الخسارة، لتتحول العملة الجديدة حينها إلى وحدة حساب تضخمية فقط، لا وعاء قادراً على الادخار، ويرى أن سورية اليوم تجاوزت هذا الحد بوضوح ببلوغها 17%، ما ينذر بفشل سياسة التعويم المدار إذا لم يتم تضييق الفجوة إلى أقل من 10% خلال الأشهر القليلة القادمة.

خريطة طريق للثقة النقدية

وفي قراءته الختامية، يصف أستاذ التمويل خطوة المصرف المركزي بأنها إيجابية لكنها غير كافية، إذ إن الرفع المفاجئ بهامش 2.26% واعتماد نطاق حركة 15% يعيدان بعض المصداقية المفقودة، لكن بقاء الفجوة الواسعة يعني أن العملة الجديدة لا تزال محاصرة بين منطق التوجيه الإداري ومنطق السوق، وللخروج من هذا المأزق، يقترح الأكاديمي الاقتصادي ضرورة خفض الفجوة إلى أقل من 10% عبر تعديلات أسرع وأكثر تكراراً، مع رفع سعر الفائدة على الودائع بالليرة الجديدة لتحفيز المواطنين على الاحتفاظ بها، بالإضافة إلى التخلي التدريجي عن الهامش السعري الواسع لصالح آلية مزاد دوري يحدد السعر بواقعية، وبكل شفافية. يؤكد محمد أنه من دون هذه الإجراءات، ستظل الليرة الجديدة أداة تضخمية لا أكثر، وتصبح سياسة المركزي مجرد ملاحقة متعثرة للسوق وليس قيادة حقيقية لثقة نقدية مستدامة.