يمكن الحديث كثيراً عن دلالات وأهداف المنتدى الاستثماري السوري الإماراتي الأول من الناحية الاقتصادية، ومن زاوية ضيقه يمكن قراءته على أنه حدث اقتصادي بحت لا يحتمل التأويل أو الخوض ما بين سطوره عن أمور أخرى بخلاف الاقتصاد، إلا أن حقيقة الأمور أبعد من ذلك بكثير، فقاعات فندق إيبلا الشام بريف دمشق، لم تكن تستضيف اليوم الإثنين، مجرد منتدى اقتصادي تقليدي يجمع رجال أعمال ومستثمرين من سوريا والإمارات العربية المتحدة، بل كانت تستضيف حدثاً يحمل أبعاداً سياسية تتجاوز بكثير لغة الأرقام والعقود وفرص الاستثمار، فالمنتدى بدا أشبه بإعلان سياسي هادئ عن مرحلة جديدة من العلاقات العربية مع سوريا، عنوانها الأساسي، الاقتصاد بوصفه مدخلاً لإعادة التموضع الجيوسياسي في المنطقة.
منذ سنوات، تغيرت طبيعة الصراعات والتحالفات، حتى باتت الاستثمارات الكبرى، والموانئ، وشبكات الطاقة، والمشاريع العابرة للحدود، جسوراً للعلاقات السياسية بين الدول، لا تقل أهمية عن التحالفات الأمنية التقليدية. وفي هذا السياق، يمكن قراءة الحضور الإماراتي المتزايد في سوريا باعتباره جزءاً من استراتيجية أوسع تعتمد على الاقتصاد، لتكون جسوراً متينة لعلاقات سياسية قوية.
وعليه فإن انعقاد المنتدى في دمشق يشكل مؤشراً واضحاً على انتقال العلاقات السورية- الإماراتية نقلة نوعية متقدمة في مسيرة الانفتاح السياسي التي بدأت مع سوريا الجديدة، ما بعد 8 كانون الأول 2024، ليترجم انعقاد المنتدى في دمشق النقلة النوعية، والانتقال بالمستوى الدبلوماسي إلى مستوى المصالح والاستثمارات وليتجاوز رغبة في تنشيط التعاون الاقتصادي، ليعبر عن مقاربة سياسية ترى أن إعادة دمج سوريا عربياً تمر عبر البوابة الاقتصادية أولاً.

المنتدى حمل في توقيته ومضمونه أكثر من رسالة سياسية، أولى هذه الرسائل أن سوريا تعود تدريجياً إلى الخريطة العربية، ليس عبر البيانات السياسية وحدها، بل عبر المصالح الاقتصادية والشراكات الاستثمارية.
أما الرسالة الثانية فتتعلق بطبيعة الدور الإماراتي نفسه. فأبو ظبي تقدم أنموذجاً مختلفاً في إدارة النفوذ الإقليمي، يعتمد على الاقتصاد والتنمية والاستثمار بوصفها أدوات حضور وتأثير، بدلاً من الانخراط المباشر في الاستقطابات الحادة.
الرسالة الثالثة تتصل بفكرة الاستقرار عبر الاقتصاد،إذ تراهن الإمارات( كما يبدو) على أن إعادة تحريك الاقتصاد السوري وفتح قنوات الاستثمار العربي قد يساهمان في خلق بيئة أكثر استقراراً على المدى الطويل، ويحدان من احتمالات الانهيار الاقتصادي والاجتماعي.
ومع ذلك، فإن مجرد انعقاد المنتدى بهذا المستوى من الحضور السياسي والاقتصادي يكشف عن حقيقة أساسية: المنطقة تدخل مرحلة جديدة تتقدم فيها المصالح الاقتصادية على الانقسامات التقليدية، وتتحول فيها الاستثمارات إلى أدوات لإعادة بناء النفوذ والتحالفات.
من المؤكد أن المنتدى يتجاوز حدود الاقتصاد، ليجسد انعكاساً لتحول أعمق في طبيعة العلاقات السورية- الإماراتية، حيث لم يعد الاستثمار مجرد نشاط اقتصادي، بل أصبح لغة سياسية كاملة، تستخدم لإعادة فتح الأبواب المغلقة، وترميم التحالفات، وإعادة رسم خرائط العلاقات بين الدول.
الوطن – أسرة التحرير








