لا تبدو الانتخابات الإسرائيلية مخرجاً من الأزمة بقدر ما تكشف عمقها؛ فمعسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عاجز عن حسم الأغلبية، ومعسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت لا يملك بدوره طريقاً مضموناً إلى الحكم، فيما تتقدم الأحزاب العربية انتخابياً من دون أن تجد شريكاً إسرائيلياً مستعداً لمنحها دوراً حاسماً في تشكيل الحكومة.
وبين انسداد الصناديق واتساع الانقسام، يبقى السؤال الأهم: هل تتجه إسرائيل إلى تصعيد جديد وافتعال حروب جديدة للهروب من أزماتها الداخلية الخانقة؟
أظهرت النتائج الجزئية، بعد فرز نحو 77 بالمئة من الأصوات، حصول معسكر نتنياهو على 54 مقعداً مقابل 47 لمعسكر المعارضة، فيما ارتفع تمثيل الأحزاب العربية إلى 19 مقعداً، في برلمان يحتاج إلى 61 مقعداً لتشكيل الحكومة.
وهذه الأرقام، وإن كانت غير نهائية، تكشف أن صناديق الاقتراع لم تمنح أيّاً من المعسكرين تفويضاً واضحاً، وأن المفاوضات المقبلة قد تتحول إلى جولة جديدة من المساومات والصراعات الداخلية، أو تمهد لانتخابات أخرى إذا تعذر تشكيل ائتلاف حاكم.
لكن الأزمة لا تختصرها الحسابات العددية؛ فالمجتمع الإسرائيلي يعيش انقساماً يتجاوز التنافس التقليدي بين اليمين واليسار، ففي داخل معسكر اليمين نفسه، تتصاعد المنافسة بين الليكود والتيارات الأكثر تشدداً، التي لم تعد تخفي تقاربها مع أفكار إيتمار بن غفير، فيما تتباين أطراف المعارضة بين اليمين والوسط واليسار، ولا يجمعها بالضرورة مشروع سياسي متكامل بقدر ما يوحّدها السعي إلى إزاحة نتنياهو.
وامتد هذا التصدع إلى المؤسسة العسكرية، مع تسريبات عن خلافات حادة بين نتنياهو ورئيس الأركان إيال زامير، وتقارير عن احتمال إقالته أو استقالته، وهو تطور يكشف أن الصراع لم يعد محصوراً في الأحزاب، بل بات يمس العلاقة بين المستوى السياسي والقيادة العسكرية.
وفي مثل هذه البيئة، لا يمكن استبعاد أن تتحول الأزمات الإقليمية إلى أدوات في الصراع الداخلي، فحين تضيق خيارات تشكيل الحكومة، قد تجد بعض القوى في الشارع وسيلة لفرض حضورها، فيما قد ترى قوى أخرى في فتح جبهة عسكرية جديدة فرصة لتوحيد الجمهور خلف القيادة، وتهميش المعارضة وتأجيل الحسابات السياسية، وسجّل السياسات الإسرائيلية يجعل هذا الاحتمال وارداً، ولا سيما في ظل التلويح باستئناف المواجهة مع إيران وتوسيع الضغوط على لبنان.
وبالنسبة إلى سوريا، لا يكمن الفارق الجوهري في هوية الفائز، بل في طبيعة السياسات التي يتبناها، فآيزنكوت، شأنه شأن نتنياهو، لا يطرح انسحاباً سريعاً من المواقع التي تعتبرها إسرائيل ضرورية لأمنها، بل ينظر إلى الوجود العسكري ورقة تفاوضية، ما يعني أن تغيير القيادة لا يضمن تغيير النهج.
لذلك، فإن المراهنة على سقوط نتنياهو باعتباره نهاية للعدوان الإسرائيلي تنطوي على قراءة متفائلة أكثر مما تسمح به الوقائع، فالخلافات داخل إسرائيل حقيقية، لكنها لا تعني أن أطرافها تخلّت عن منطق القوة أو عن الأطماع في دول المنطقة.
وما يهم سوريا والمنطقة ليس أي معسكر ينتصر في صناديق الاقتراع، بل ما إذا كانت إسرائيل ستتخلى عن فرض الوقائع بالقوة واحترام سيادة الدول، وهو ما لم تقدّم نتائج الانتخابات حتى الآن أي مؤشر على تحقيقه.
أسرة التحرير









