الوطن – أسرة التحرير
يتجدّد الجدل في لبنان حول دور ميليشيا حزب الله في الحياة السياسية والأمنية، بعد التصعيد الأخير الذي قاده “الأمين العام” للحزب نعيم قاسم ضد الحكومة اللبنانية، والدعوات التي أطلقها لإسقاطها تحت شعار “حماية السيادة”، في وقت تعاني فيه البلاد واحدة من أعقد أزماتها الاقتصادية والسياسية والأمنية منذ عقود.
التصريحات الأخيرة فجّرت موجة واسعة من الانتقادات الداخلية والخارجية، وخصوصاً بعدما اعتبرت واشنطن أن الحزب يقود حملة متعمّدة لزعزعة استقرار لبنان والحفاظ على نفوذه على حساب مستقبل اللبنانيين، مؤكدةً دعمها للحكومة اللبنانية الشرعية في مواجهة الضغوط ومحاولات الترهيب السياسي.

لكن بحسب خبراء ومتابعين، فإن هذا التصعيد، يعود ملف أكثر حساسية إلى الواجهة، يتعلق بكيفية احتكار حزب الله لقرار الحرب والسلم داخل الدولة اللبنانية طوال السنوات الماضية، وتحويل لبنان تدريجياً إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية المرتبطة بالأجندة الإيرانية، بعيداً عن قدرة الدولة اللبنانية على تحمّل الكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية لهذه المواجهات.
ويرى محلّلون أن الحروب والمواجهات التي خاضها الحزب مع إسرائيل، وخصوصاً في الجنوب اللبناني، خلّفت دماراً واسعاً طال القرى والبلدات والبنى التحتية جنوب الليطاني، وأدت إلى موجات نزوح وتشريد شملت مئات الآلاف من اللبنانيين الذين اضطروا لمغادرة منازلهم نحو مختلف المناطق اللبنانية هرباً من القصف والتصعيد.
كما تكبّد لبنان خسائر اقتصادية هائلة نتيجة تدمير الطرق والجسور وشبكات الكهرباء والمرافق العامة، في وقت كانت فيه الدولة تعاني أساساً من انهيار مالي غير مسبوق، وعجز عن تأمين الحد الأدنى من الخدمات الأساسية للمواطنين.
ورغم أن الحزب هو من احتكر قرار المواجهة العسكرية، متجاوزاً مؤسسات الدولة والدستور اللبناني، عاد لاحقاً ليطالب الحكومة اللبنانية بتحمل مسؤولية إعادة الإعمار وتعويض المتضرّرين والنازحين الذين تسبّب هو عملياً في تشريدهم، الأمر الذي أثار انتقادات واسعة داخل الأوساط اللبنانية التي ترى أن الدولة تُدفع دائماً لتحمل نتائج قرارات لا تملك حق اتخاذها أساساً.
هذا الواقع وفق المحلّلين، انعكس على علاقات لبنان العربية، إذ دخلت بيروت خلال السنوات الماضية في أزمات متكرّرة مع دول الخليج العربي وعدد من الدول العربية، نتيجة مواقف الحزب وتدخله في ملفات إقليمية، ما تسبب بتراجع الدعم العربي والاستثمارات والمساعدات، وعمق عزلة لبنان السياسية والاقتصادية.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن خطاب نعيم قاسم الأخير يعكس حجم القلق الذي تعيشه ميليشيا الحزب مع تصاعد الضغوط الدولية والعربية المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، خصوصاً في ظل المساعي الأميركية لدعم الجيش اللبناني والمؤسسات الرسمية وإعادة تثبيت سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.
كما تأتي هذه التطورات في مرحلة شديدة الحساسية بالنسبة للبنان، الذي يحاول الخروج من سنوات الانهيار المالي والمؤسساتي، وسط مخاوف من أن يؤدي أي تصعيد جديد إلى إعادة البلاد نحو الفوضى والانقسام الداخلي، في ظل تمسك حزب الله بسلاحه ودوره العسكري خارج إطار الدولة، مقابل سعي الحكومة اللبنانية إلى استعادة القرار السيادي والانفتاح على الدعم العربي والدولي لإعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار.








