لم يكن مشهد التظاهرات التي شهدتها مدن سورية عدة خلال الأيام الماضية مفاجئاً لكثير من السوريين، فبعد عقود من القمع والقتل والاعتقال والتعذيب والتهجير، وبعد آلاف القصص التي ما زالت تنزف ألماً في بيوت السوريين، بدا طبيعياً أن يعلو صوت الشارع مطالباً بمحاسبة من تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء، ورافضاً أي محاولة لإعادة تدوير شخصيات ارتبطت بسنوات الظلم والانتهاكات داخل مؤسسات الدولة الجديدة.
ففي إدلب وحلب وحماة وحمص ودير الزور وغيرها من المناطق، لم تخرج الجماهير طلباً للثأر بقدر ما خرجت دفاعاً عن ذاكرة لم تندمل جراحها بعد، ذاكرة تحمل صور الآباء الذين قضوا تحت التعذيب، والأمهات اللواتي انتظرن أبناءهن سنوات طويلة خلف أبواب المعتقلات، والأطفال الذين كبروا في المخيمات أو فقدوا أطرافهم تحت القصف، والنساء اللواتي تعرضن لأبشع الانتهاكات بسبب تقارير كيدية كتبها مخبر أو شبيح أو مسؤول أمني.
هذه المشاعر لا يمكن لأي دولة مسؤولة أن تتجاهلها أو تقلل من شأنها، وهو ما أكدته الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية حين شددت على أن حق الضحايا وذويهم في المطالبة بالحقيقة والعدالة والمساءلة حق مشروع لا يمكن تجاوزه بعد عقود من الانتهاكات الجسيمة التي شهدتها سوريا.

لكن في المقابل، تقف الدولة السورية الجديدة أمام معادلة شديدة الحساسية؛ فهي مُطالبة بالاستجابة لنداءات الضحايا وتحقيق العدالة، وفي الوقت نفسه مُطالبة بمنع البلاد من الانزلاق نحو عدم الاستقرار أو العدالة الانتقامية التي قد تنتج مظالم جديدة بدل معالجة المظالم القديمة.
من هنا تكتسب كلمات الرئيس أحمد الشرع أهمية خاصة، عندما أكد أن “العدالة الانتقالية يجب ألا تكون عنواناً للانتقام أو وسيلة للتسلط، لأننا عندها نكون قد واجهنا ظلماً بظلم آخر”، فالدول لا تُبنى بالثأر، بل بالقانون، ولا تستعيد المجتمعات عافيتها عبر الاقتصاص العشوائي، بل عبر مؤسسات قادرة على كشف الحقيقة ومحاسبة المجرمين وإنصاف الضحايا وفق إجراءات عادلة وشفافة.
صحيح أن الكثير من السوريين يشعرون بأن المحاسبة تسير ببطء، وأن ظهور بعض الشخصيات المرتبطة بالنظام البائد في المشهد العام يثير غضباً مشروعاً، لكن الصحيح أيضاً أن حجم الجرائم المرتكبة خلال عقود لا يمكن التعامل معه بمنطق ردود الفعل السريعة، فهناك مئات آلاف المفقودين وعشرات آلاف الملفات التي تتطلب تحقيقات معقدة، وشبكات واسعة من المسؤولين والمتنفذين والمحرضين والمتورطين الذين ينبغي الوصول إليهم وتوثيق جرائمهم قبل إحالتهم إلى القضاء.
وأعلنت الجهات المختصة خلال الأشهر الماضية عن اعتقال آلاف المطلوبين والمتورطين، بينهم ضباط ومسؤولون أمنيون بارزون، في مؤشر إلى أن مسار الملاحقة قائم بالفعل، وإن كان لا يُواكب بالسرعة التي يتطلع إليها الشارع السوري المثقل بالأوجاع.
لكن التحدي الحقيقي اليوم ليس في إثبات رغبة السوريين بالمحاسبة، فهذه الرغبة واضحة وصادقة ومشروعة، بل في تحويل هذا الغضب الشعبي إلى قوة داعمة للعدالة، فالعقاب الجماعي، كما تؤكد الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية يتعارض مع مبادئ العدالة وحقوق الإنسان، بينما تقوم العدالة الانتقالية على المسؤولية الفردية وعدم الإفلات من العقاب.
لقد انتصر السوريون عندما أسقطوا منظومة الاستبداد، لكن الانتصار الأكبر سيكون في بناء دولة لا تشبه تلك التي ثاروا عليها، دولة يكون فيها القاضي أقوى من الثأر، والقانون أعلى من الغضب والعدالة أوسع من الانتقام، وعندها فقط يمكن لدماء الضحايا أن تجد طريقها إلى الإنصاف عبر دولة القانون التي حلم بها السوريون ودفعوا من أجلها أثماناً باهظة من الدم والوجع والحرمان.
الوطن – أسرة التحرير








